الخميس 6 محرّم 1436 - 30 أكتوبر 2014
en

114859: أول وقت صلاة الجمعة


هل هناك دليل من القرآن أو السنة على جواز تأدية خطبة وصلاة الجمعة قبل وقت صلاة الظهر ؟ مثلا صلاة الظهر تبدأ الواحدة . وخطبة الجمعة تبدأ الثانية عشرة ، وصلاة الجمعة تنتهي قبل الواحدة . هل هناك أي شروط أو حالات تجوز هذا؟

الحمد لله
اختلف أهل العلم في أول وقت صلاة الجمعة على قولين :
القول الأول : زوال الشمس ، كوقت صلاة الظهر ، ولا تجوز الجمعة قبله .
وهذا قول جماهير أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية ، وعزاه النووي لجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم . بل قال الإمام الشافعي رحمه الله : " ولا اختلاف عند أحد لقيته أن لا تصلى الجمعة حتى تزول الشمس " انتهى. "الأم" (1/223)
واستدلوا بحديثين صريحين صحيحين :
1- عن أنس بن مالك رضى الله عنه : أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّى الْجُمُعَةَ حِينَ تَمِيلُ الشَّمْسُ . رواه البخاري (رقم/904) وبوَّب عليه رحمه الله بقوله : " باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس، وكذلك يروى عن عمر وعلي والنعمان بن بشير وعمرو بن حريث رضي الله عنهم " انتهى.
2- عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال :
( كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ ثُمَّ نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الْفَيْءَ ) رواه مسلم (رقم/860)
القول الثاني : تجوز قبل الزوال ، يعني أن بداية وقتها يسبق بداية وقت الظهر .
وهذا قول الإمام أحمد بن حنبل ، وإسحاق بن راهويه .
وانظر في "الإنصاف" (2/375-376) خلاف الحنابلة في ضبط بداية وقت الجمعة، بارتفاع الشمس قيد رمح، أو في الساعة الخامسة، أو في الساعة السادسة.
واستدل من ذهب إلى ذلك بهذه الأحاديث :
1- عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال : ( كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ نَرْجِعُ فَنُرِيحُ نَوَاضِحَنَا ) قَالَ حَسَنٌ : فَقُلْتُ لِجَعْفَرٍ : فِي أَيِّ سَاعَةٍ تِلْكَ ؟ قَالَ : زَوَالَ الشَّمْسِ . رواه مسلم (858)
2- وعن سهل رضي الله عنه قال : ( مَا كُنَّا نَقِيلُ وَلَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ ) رواه مسلم (859)
3- وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال : ( كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمُعَةَ فَنَرْجِعُ وَمَا نَجِدُ لِلْحِيطَانِ فَيْئًا نَسْتَظِلُّ بِهِ ) رواه البخاري (4168) ، ومسلم (860) واللفظ له.
وهذه الأحاديث ليست نصا على أن الصلاة كانت قبل الزوال ، بل في بعضها دلالة أيضا للقول الأول ، كما في حديث جابر بن عبد الله ، ولذلك فقد بوَّب عليها الإمام النووي في صحيح مسلم بقوله (2/587) : ( باب صلاة الجمعة حين تزول الشمس ) .
وكذلك حديث سلمة قد سبق له رواية في القول الأول : أن ذلك كان إذا زالت الشمس .
قال الإمام النووي رحمه الله :
" الجواب عن احتجاجهم بحديث جابر وما بعده أنها كلها محمولة على شدة المبالغة في تعجيلها بعد الزوال من غير إبراد ولا غيره , هذا مختصر الجواب عن الجميع , وحملنا عليه الجميع من هذه الأحاديث من الطرفين , وعمل المسلمين قاطبة أنهم لا يصلونها إلا بعد الزوال. وتفصيل الجواب أن يقال :
حديث جابر فيه إخبار أن الصلاة والرواح إلى جمالهم كانا حين الزوال لا أن الصلاة قبله . والجواب عن حديث سلمة : أنه حجة لنا في كونها بعد الزوال ; لأنه ليس معناه أنه ليس للحيطان شيء من الفيء , وإنما معناه ليس لها فيء كثير بحيث يستظل به المار .
وأوضح منه الرواية الأخرى : " نتتبع الفيء " فهذا فيه تصريح بوجود الفيء , لكنه قليل , ومعلوم أن حيطانهم قصيرة وبلادهم متوسطة من الشمس , ولا يظهر هناك الفيء بحيث يستظل به إلا بعد الزوال بزمان طويل .
وأما حديث سهل : ( ما كنا نقيل ولا نتغذى إلا بعد الجمعة ) ( فمعناه ) : أنهم كانوا يؤخرون القيلولة والغداء في هذا اليوم إلى ما بعد صلاة الجمعة ; لأنهم ندبوا إلى التبكير إليها , فلو اشتغلوا بشيء من ذلك قبلها خافوا فوتها أو فوت التبكير إليها .
ومما يؤيد هذا ما رواه مالك في الموطأ بإسناده الصحيح عن عمر بن أبي سهل بن مالك ، عن أبيه قال : كنت أرى طنفسة لعقيل بن أبي طالب تطرح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي , فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، ثم نخرج بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى " انتهى.
"المجموع" (4/511-512) ، وانظر تفصيلا في تقرير قول الجمهور عند الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" (2/387-388) بل نقل الحافظ ابن رجب في "فتح الباري" (كتاب الصلاة/باب وقت الجمعة إذا زالت الشمس) عن أبي طالب نقله عن الإمام أحمد أنه قال : " ما ينبغي أن يصلي قبل الزوال " انتهى. وانظر: "الموسوعة الفقهية" (27/197)
فالراجح هو قول جماهير أهل العلم ، أن وقت الجمعة هو وقت الظهر نفسه ، ولا شك أنه الأحوط والأبرأ للذمة .
يقول الشيخ ابن باز رحمه الله :
" الأفضل بعد زوال الشمس خروجا من خلاف العلماء ؛ لأن أكثر العلماء يقولون لا بد أن تكون صلاة الجمعة بعد الزوال ، وهذا هو قول الأكثرين .
وذهب قوم من أهل العلم إلى جوازها قبل الزوال في الساعة السادسة ، وفيه أحاديث وآثار تدل على ذلك صحيحة ، فإذا صلَّى قبل الزوال بقليل فصلاته صحيحة ، ولكن ينبغي ألا تفعل إلا بعد الزوال ، عملا بالأحاديث كلها ، وخروجا من خلاف العلماء ، وتيسيرا على الناس حتى يحضروا جميعا ، وحتى تكون الصلاة في وقت واحد . هذا هو الأولى والأحوط " انتهى.
"مجموع فتاوى ابن باز" (12/391-392)
والله أعلم .


 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا