الأحد 2 محرّم 1436 - 26 أكتوبر 2014

126005: هل ثمة علاقة بين المعاصي والشرك ؟


هل أكون مرتكباً للشرك إذا قمتُ بتكبير بعض أجزاء من جسمي ، وقمت أيضاً بنمص حاجبي , فهل هذا يعد من الشرك , لأنني بذلك أقوم بتغيير خلق الله عز وجل ؟ . وهل أكون مشركاً إذا استمعت إلى أغاني شركية ، أو كفرية ؟ مثلاً : هناك أغاني تحتوي على الكلمات التالية : " أنت كل شيء في حياتي" ، فكلمة " كل شيء " : تتضمن أيضاً الله عز وجلّ , فهل هذه الأغنية حرام ؟ وهل أكون مشركاً إذا استمعتُ مجرد استماع دون أن أغنّي مع المغني ؟ .

الحمد لله

أولاً:

مما لا شك فيه أن المعاصي تتفاوت في الحرمة ، وأنه ثمة فرق بين المعصية والشرك ، وتغيير خلق الله تعالى بفعل ما نهى عنه الله تعالى طالباً للجمال : لا شك أنه من المحرمات ، وأنه من كبائر الذنوب ، وهو ليس شركاً بالله تعالى من حيث الأصل .

والنمص – وهو إزالة شعر الحاجبين - جاء النص على أن فاعله والمفعول له ممن يستحقون اللعنة ، وانظر في ذلك أجوبة الأسئلة : ( 9037 ) و ( 20108 ) و ( 13744 ) .

والجراحات التي يجريها الرجال والنساء لتكبير عضو ، أو تصغيره ، أو نفخه ، تغييراً لخلق الله تعالى بقصد الجمال : هو من الكبائر كذلك ، وينظر في ذلك أجوبة الأسئلة : ( 1006 ) و ( 47694 ) و ( 24215 ) .

والشرك بالله تعالى من أعظم المعاصي وأشدها ، لكن ليست كل معصية شركا .

قال الله تعالى :

ومما يدل على ذلك : تفريق الشرع بين الشرك والذنوب في سياق واحد ، والعطف يقتضي المغايرة .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ ) قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ ؟ قَالَ : ( الشِّرْكُ بِاللَّهِ ، وَالسِّحْرُ ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ، وَأَكْلُ الرِّبَا ، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ ).

رواه البخاري ( 2615 ) ومسلم ( 89 ) .

فالذنوب والمعاصي ليست من الشرك الأكبر قطعاً ، لكن اقتراف الصغير منها يوشك أن يجرئ صاحبه على الكبير ، والكبير يوشك أن يجرئ صاحبه على الشرك وشعبه ، ولهذا قال من قال من السلف : المعاصي بريد الكفر ؛ أي : أنها رسوله الموصل إليه . وأطلق عليها بعض السلف : " الشرك الخفي " ، أو " الشرك الأصغر " .

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مسْعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ ) شَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ : ( لَيْسَ ذَلِكَ ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ ( يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) .

رواه البخاري ( 3246 ) ومسلم ( 124 ) .

فهذا الحديث نصٌّ في المسألة ، وهي أن المعاصي لا تكون شركاً أكبر .

قال النووي – رحمه الله - :

وفي هذا الحديث جمَل من العلم ، منها : أن المعاصي لا تكون كفراً .

" شرح مسلم " ( 2 / 143 ) .

بل إن المعاصي ، وإن لم تكن شركا أكبر مخرجا من الملة في نفسها ، فإنها شعبة من شعبه ، وعمل من أعمال أهله .

ولذلك قال الإمام البخاري رحمه الله ، في كتاب الإيمان من صحيحه :

" بَاب الْمَعَاصِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلَا يُكَفَّرُ صَاحِبُهَا بِارْتِكَابِهَا إِلَّا بِالشِّرْكِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ وَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ " انتهى .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - :

وقول النبي صلى الله عليه وسلم ( إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ ) إن أراد به الشرك الأكبر : فمقصوده : أن مَن لم يكن مِن أهله : فهو آمِن مما وُعد به المشركون من عذاب الدنيا ، والآخرة ، وهو مهتد إلى ذلك ، وإن كان مراده جنس الشرك : فيقال : ظُلم العبد نفسه كبخله - لحب المال - ببعض الواجب : هو شرك أصغر ، وحبُّه ما يبغضه الله حتى يكون يقدم هواه على محبة الله : شرك أصغر ، ونحو ذلك ، فهذا صاحبه قد فاته من الأمن والاهتداء بحسبه ، ولهذا كان السلف يدخلون الذنوب في هذا الظلم ، بهذا الاعتبار .

" مجموع الفتاوى " ( 7 / 82 ) .

والخلاصة :

أن فعل النمص ، وتكبير أعضاء الجسم ، ليس هو من الشرك الأكبر الذي يُخرج من الملَّة ، ولا خلاف في ذلك بين أهل السنَّة والجماعة .

لكن هذا لا يعني الاستهانة بأمرهما ، بل هما محرمان من غير شك ، بل يطلق بعض أهل العلم على أمثالهما : أنه من الشرك الأصغر ، أو الشرك الخفي ؛ لأن صاحبها قدَّم هواه على الشريعة ، فاتخذه إلهاً ، وجعل هذا العاصي ما يحبه هو مقدَّما على ما يُبغضه ربه تعالى .

 

ثانياً:

الأغاني الحالية التي تشتمل على المعازف : لا نشك في حرمتها ، ولا نشك في أثرها السيئ على الناس كباراً وصغاراً ، ذكوراً وإناثاً ، وبخاصة تلك التي تكون مصورة ، ويصحبها من المناظر المخجلة ، والتهتك ما يسوء كل مسلم عفيف .

ويُنظر تفصيل الحكم في هذا التحريم : أجوبة الأسئلة : ( 43736 ) و ( 5000 ) و ( 5011 ) .

وإذا احتوت كلمات تلك الأغاني على جمل شركية : فلا شك في كفر قائلها ، سواء كان المؤلف لها ، أو المغني ، والمشارك في غنائها ؛ إذا كان يعلم معناها ، ويعلم أن كلامه شرك ، ولا ينفعه أن يكون قال ذلك مغنيا ، أو لا عبا أو مازحا .

وأما مستمعها ، فإن كان يستمع هذه الكلمات ، وهو عالم بما فيها من الشرك ، وراض به ، ومقر لما فيه : فهو شريكهم في إثم قول الشرك .

قال الله تعالى : ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً ) النساء/140 .

قال الشيخ ابن سعدي رحمه الله :

" أي : وقد بيَّن الله لكم ، فيما أنزل عليكم ، حكمَه الشرعي عند حضور مجالس الكفر والمعاصي : { أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا } أي : يستهان بها ؛ وذلك أن الواجب على كل مكلف ـ في آيات الله ـ : الإيمان بها ، وتعظيمها وإجلالها وتفخيمها ، وهذا المقصود بإنزالها ، وهو الذي خَلَق الله الخَلْق لأجله ، فضد الإيمان : الكفر بها ، وضد تعظيمها : الاستهزاء بها واحتقارها ، ويدخل في ذلك مجادلة الكفار والمنافقين لإبطال آيات الله ونصر كفرهم ...

وكذلك يدخل فيه حضور مجالس المعاصي والفسوق التي يستهان فيها بأوامر الله ونواهيه ، وتُقْتحم حدوده التي حدها لعباده .

ومنتهى هذا النهي عن القعود معهم : { حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ } ؛ أي: غير الكفر بآيات الله والاستهزاء بها.

{ إِنَّكُمْ إِذًا } أي: إن قعدتم معهم في الحال المذكورة { مِثْلُهُمْ } لأنكم رضيتم بكفرهم واستهزائهم ؛ والراضي بالمعصية كالفاعل لها . "

تفسير السعدي (210) .

 وأما بخصوص الجملة الواردة في السؤال : فلا نراها من الشرك ، وهي من كذبات العاشقين والعاشقات ، وإنما مراده بذلك : أنه أهم ـ عنده ـ من غيره من الناس ، والظفر به : أهم عنده من غيره من المطالب ، ولا نظن من يقول ذلك ، أو يتغنى به : يطرأ على باله دخول الله ، جل اسمه ، في هذه الإطلاق . 

غير أن مثل هذا الكلام ، هو مما ينهى عن سماعه والتغني به ، لأمرين :

الأول : أنها من جمل العشق والغرام المهيجة للشهوة والمسببة للفتنة .

والثاني : أنها جاءت ضمن أغنية يحرم سماعها ؛ لما فيها من معازف محرَّمة .

قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

فالمراد هنا الغناء المحرم ، وهو يدور على شيئين :

إما أن يكون موضوع الأغنية موضوعاً فاسداً ، وإما أن تكون مصحوبة بآلة لهو محرمة ، هذا هو الغناء المحرم ؛ إما أن يكون الموضوع موضوعاً فاسداً ، كوصف النساء ، والمردان ، والخمر ، وما أشبه ذلك ، هذا محرم لذات القصيدة ؛ لأن الموضوع موضوع فاسد محرم ،

أو يكون الموضوع غير محرم في حد ذاته ، فهذا إن صحبه آلة لهو : صار حراماً لما صحبه ، وإن لم يصحبه آلة لهو : فليس بحرام ، وإذا كانت الأغنية في مدح آلهة المشركين : فهذا حرام ، ولا يحل ؛ لأن هذا أشد من وصف الزنا ، واللواط ، وما أشبه ذلك .

" الشرح الممتع " ( 10 / 18 ) .

 والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا