130747: حكم وصية المسلم ببناء كنيسة


السؤال : سمعت فتوى من أحد المشايخ أنه يجوز للمسلم أن يوصي ببناء كنيسة من أمواله بعد موته ، وأن هذا لا يكون معصية ، فهل هذا الكلام صحيح؟

الجواب :

الحمد لله

لا نتصور أن مسلما عاقلاً عنده علم بالشرع يمكن أن يفتي بمثل هذه الفتوى ، فقد يكون حصل خطأ ما في النقل عنه أو في فهم كلامه ... إلخ .

ولكننا سنجيب على ما ورد في السؤال :

لا يختلف المسلمون أن الوصية بإعانة أهل المعاصي لا تجوز ، وذلك لقول الله تعالى : (وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) المائدة/2 .

ولا نحتاج أن نقرر أن بيوت العبادة التي يتعبد فيها غير المسلمين هي بيوت معصية ، فإنها يشرك فيها بالله ، ويسب أنبياؤه ، ويُكذَّبون ، ويُسب القرآن ، ويُستهزأ به ، ويُحارب التوحيد ، ويُنصر الشرك ويدعى إليه ، مع ما يكون فيها من أعياد محرمة ، وشرب للخمور ، ومثل هذه الأمور معلومة معروفة .

وعليه ، فلا يجوز للمسلم قطعاً أن يوصي بشيء من ماله لبناء كنيسة أو غيرها من معابد غير المسلمين .

وهذا الحكم لا يختلف فيه العلماء ، ولذلك نكتفي بنقل واحد فقط عن كل مذهب من مذاهب الأئمة المعتبرين (المذهب الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والظاهري) .

1- المذهب الحنفي .

قال الكاساني في "بدائع الصنائع" (8/341) :

"وَلَوْ أَوْصَى الْمُسْلِمُ لِبَيْعَةٍ أَوْ كَنِيسَةٍ بِوَصِيَّةٍ , فَهُوَ بَاطِلٌ ; لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ" انتهى .

2- المذهب المالكي .

جاء في "المدونة" (4/150) :

"سئل ابن القاسم : قُلْتُ : أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ , أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ كَنِيسَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ ؟ قَالَ : لَا يَحِلُّ لَهُ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ : لَا يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ .

قَالَ مَالِكٌ : وَلَا يُكْرِي دَارِهِ وَلَا يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً , وَلَا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِمَّنْ يَرْكَبُهَا إلَى الْكَنِيسَةِ" انتهى .

3- المذهب الشافعي .

قال الإمام الشافعي في "الأم" (4/225) :

"فَإِذَا أَوْصَى النَّصْرَانِيُّ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فَجَاءَنَا وَرَثَتُهُ أَبْطَلْنَا مَا جَاوَزَ الثُّلُثَ إنْ شَاءَ الْوَرَثَةُ ، كَمَا نُبْطِلُهُ إنْ شَاءَ وَرَثَةُ الْمُسْلِمِ .

وَلَوْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ يَبْنِي بِهِ كَنِيسَةً لِصَلَاةِ النَّصَارَى ، أَوْ يَسْتَأْجِرُ بِهِ خَدَمًا لِلْكَنِيسَةِ ، أَوْ يَعْمُرُ بِهِ الْكَنِيسَةَ ، أَوْ يَسْتَصْبِحُ بِهِ فِيهَا ، أَوْ يَشْتَرِي بِهِ أَرْضًا فَتَكُونُ صَدَقَةً عَلَى الْكَنِيسَةِ وَتَعْمُرُ بِهَا أَوْ مَا فِي هَذَا الْمَعْنَى كَانَتْ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً" انتهى . 

4- المذهب الحنبلي .

جاء في "المغني" (6/122) :

"وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَعْصِيَةٍ وَفِعْلٍ مُحَرَّمٍ , مُسْلِمًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ ذِمِّيًّا , فَلَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ أَوْ بَيْتِ نَارٍ , أَوْ عِمَارَتِهِمَا , أَوْ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمَا , كَانَ بَاطِلًا . وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ" انتهى .

5- المذهب الظاهري .

قال ابن حزم في "المحلى" (8/37) :

"وَلَا تَحِلُّ وَصِيَّةٌ فِي مَعْصِيَةٍ - لَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مِنْ كَافِرٍ - كَمَنْ أَوْصَى بِبُنْيَانِ كَنِيسَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ , لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : (وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) . وقوله تعالى : (وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) فَمَنْ تَرَكَهُمْ يُنَفِّذُونَ خِلَافَ حُكْمِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى مَنْعِهِمْ فَقَدْ أَعَانَهُمْ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ" انتهى .

فهذه نصوص الأئمة ، وبعضها يصرح بالحكم ذاته - وهو المنع - في وصية النصراني لكنيسة ـ وهو نصراني ـ فكيف يكون الحكم في وصية المسلم لكنيسة !

وقد نقل بعض العلماء الإجماع على ذلك .

قال تقي الدين السبكي الشافعي رحمه الله :

"بِنَاءُ الْكَنِيسَةِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ , وَكَذَا تَرْمِيمُهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْفُقَهَاءُ : لَوْ وَصَّى بِبِنَاءِ كَنِيسَةٍ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ ; لِأَنَّ بِنَاءَ الْكَنِيسَةِ مَعْصِيَةٌ ، وَكَذَا تَرْمِيمُهَا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوَصِّي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا" انتهى .

"فتاوى السبكي" (2/396) .

بل الأمر أخطر من كونه معصية ، فبناء معبد لغير المسلمين – كنيسة أو غيرها - فيه محبة للكفر ونشر له ، ومحاربة للتوحيد ، وتشجيع للكفر برب العالمين ... وهذا يصل بصاحبه إلى الكفر .

قَالَ الإمام أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ رحمه الله :

"إرَادَةُ الْكُفْرِ كُفْرٌ ، وَبِنَاءُ كَنِيسَةٍ يَكْفُرُ فِيهَا بِاَللَّهِ كُفْرٌ ، لِأَنَّهُ إرَادَةُ الْكُفْرِ" انتهى نقلا عن "الفروق" للقرافي (4/124) .

فكيف يقال بعد ذلك بجواز وصية المسلم بشيء من ماله لبناء كنيسة ، وأن هذا ليس معصية! سبحانك هذا بهتان عظيم .

نسأل الله تعالى أن يعز الإسلام والمسلمين ، وأن يرد المسلمين إلى دينهم ردا جميلا .

والله أعلم .

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا