الخميس 29 ذو الحجة 1435 - 23 أكتوبر 2014
en

135590: هل صح حديث : ( لقد جئتكم بالذبح )، وما توجيه معناه ؟


السؤال : هل يمكن من فضلك أن تعلق لي على هذا الحديث وعلى إسناده ؟ هل قال الرسول صلى الله عليه وسلم لقريش إنه جاءهم ليذبحهم ؟ وكيف لنا أن نفهم هذا الحديث ؟ وما هو معنى الحديث ؟ أرجو منكم أن تشرحوا لأنني أجد الحديث محيراً جداً بالنسبة إلي . ونص الحديث يقول : ( لقد جئتكم بالذبح ) وقد ترجم الحديث من قبل الشيخ : عبد السلام الشامي : ‏قال ‏يعقوب ، ‏حدثنا ‏أبي ، ‏عن ‏ابن إسحاق ، ‏قال : وحدثني ‏‏يحيى بن عروة بن الزبير ،‏ عن أبيه عروة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قلت له : ما أكثر ما رأيت قريشاً أصابت من رسول الله فيما كانت تظهر من عداوته ؟ قال حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ،‏ فقالوا : ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط ‏، سفَّه‏ أحلامنا ، وشتم آباءنا ، وعاب ديننا ، وفرق جماعتنا ، وسب آلهتنا ، لقد صرنا منه على أمر عظيم ، أو كما قالوا . ‏قال : فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم ، ‏فأقبل يمشي حتى استلم الركن ، ثم مر بهم طائفاً ‏بالبيت ، ‏فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول ، قال : فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى ، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها ، فعرفت ذلك في وجهه ، ثم مضى ، ثم مر بهم الثالثة ، فغمزوه بمثلها ، فقال : تسمعون يا معشر‏ ‏قريش ، ‏أما والذي نفس‏ ‏محمد ‏ ‏بيده‏ ‏لقد جئتكم بالذبح ؛ فأخذت القوم كلمته حتى ما فيهم رجل إلا كأن على رأسه طائر واقع ، حتى إن أشدهم فيه وطأة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول ؛ حتى إنه ليقول : انصرف يا أبا القاسم ، فوالله ما كنت جهولاً . فانصرف صلى الله عليه وسلم‏ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في ‏ ‏الحجر‏ ‏وأنا معهم ، فقال بعضهم لبعض : ذكرتم ما بلغ منكم ، وما بلغكم عنه ، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه ، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله‏ ‏صلى الله عليه وسلم ، ‏فوثبوا ‏إليه ‏وثبة ‏رجل واحد فأحاطوا به يقولون له : أنت الذي تقول كذا وكذا - لِما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم – قال : فيقول رسول الله ‏‏صلى الله عليه وسلم : ‏نعم أنا الذي أقول ذلك . قال : فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه . قال : وقام‏ ‏أبو بكر الصديق‏ ‏رضي الله تعالى عنه ‏دونه يقول - وهو يبكي - : ‏أتقتلون رجلاً أن يقول ربي الله . ثم انصرفوا عنه ، فإن ذلك لأشد ما رأيت ‏قريشاً بلغت منه قط . رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده .

الجواب :

 

الحمد لله

 

هذا الحديث رواه أحمد في " المسند " (11/609) طبعة مؤسسة الرسالة من رواية الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ، وحسنه المحققون ، والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند أيضا ، وحسنه الهيثمي في " مجمع الزوائد " (6/19) ، وكذا الشيخ الألباني في " صحيح الموارد " (1403) .

 

وجاء في رواية الإمام البخاري (3678) لأصل القصة أن عروة بن الزبير رحمه الله قَالَ : سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

قَالَ : رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا . فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ فَقَالَ : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ) .

 

وروي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لهم : (أما والله لا تنتهوا حتى يحل بكم عقابه عاجلاً . – وبعد ذلك قال لأصحابه صلى الله عليه وسلم - : أبشروا فإن الله عز وجل مظهر دينه ، ومتم كلمته ، وناصر نبيه ، إن هؤلاء الذين ترون ممن يذبح الله بأيديكم عاجلاً) .

عزاه الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (7/168) للزبير بن بكار ، والدارقطني في " الأفراد " وأشار إلى ضعف هذه الرواية .

وانظر "فتح الباري" (7/166-170) للوقوف على روايات الحديث .

 

 

وهذا اللفظ : ( جئتكم بالذبح ) له معنى صحيح بلا شك ، ولا ينبغي أن يثير الحيرة في نفس السائل ولا في نفس أي عاقل ، فالمقصود بالذبح هم أشخاص معينون محدودون ، وهم أولئك الذين يصرون على الكفر بالله ، وعلى حرب الإسلام وأهله ، واضطهاد المستضعفين ، والتسلط على النساء والشيوخ من المؤمنين ، لفتنتهم عن دينهم ، وفرض مبادئهم وأفكارهم بالدم والتعذيب والتنكيل ، هؤلاء هم الذين قتلوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شر تقتيل ، طعنوا سمية زوجة ياسر في عفتها ، وقتلوا ياسر في شيخوخته ، وعذبوا بلالاً بالرمضاء ، وهموا بقتل خير الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ، ولم يتركوا أسلوباً من أساليب التعذيب والظلم إلا مارسوه على هذه الفئة المؤمنة ، حتى اضطروهم إلى الهجرة إلى الحبشة ، مكفكفين جراحهم ، ومتحملين آلامهم ، لعلهم يجدون لدى ملك الحبشة طعم الراحة والأمان .

 

هذا بعض ما فعلته هذه الفئة من مجرمي كفار قريش مع المؤمنين ، أما عن تطاولهم على رب العباد فذلك شأن آخر ، حكاه الله عنهم في عشرات الآيات في القرآن الكريم . ألا يستحق هؤلاء – بعدئذ - القتل دفعا لشرهم ، وتخليصا للعباد من آذاهم .

 

أليس من الحكمة والعقل مجابهتهم – في بعض الأحيان – بالقوة والتهديد والوعيد ، وذلك حين يطفح الكيل من مكرهم وظلمهم ؟

 

لماذا يحتار العاقل في قبول تهديد النبي صلى الله عليه وسلم لهم بالعقوبة العاجلة من الله عز وجل ، وهم أجدر بها ، وأحق بها من قوم عاد وثمود وسائر الأنبياء الذين عرفنا عدوانهم على الأنبياء والمؤمنين في القرآن الكريم ؟!

 

ألهذا الحد ينسى العاقل ما فعله هؤلاء المجرمون بالمؤمنين المستعضفين ، وينسى أيام العذاب والهوان التي ذاقوها مما يتقطع له قلب كل إنسان وهو يقرأ صفحاتها ، ثم يتعاطف مع الجلادين – وهم صناديد كفار قريش – لأن النبي صلى الله عليه وسلم هددهم بالقتل والذبح مرة من المرات .

أهكذا تقاس الأمور في موازين العقول ؟!

 

وإذا لبَّس الحاقدون على الناس ، فاجتزؤوا هذه الكلمة من سياقها ، وأرادوا أن يظهروا النبي صلى الله عليه وسلم سفاكاً للدماء ، محباً للموت والقتل ، فلا يجوز أن ينطلي ذلك على العقلاء من المسلمين ومن غير المسلمين ، بل الواجب التعامل مع هذه الحادثة ، وكذلك كل حادثة بمقياسين مهمين رئيسيين :

1-  السياق الذي جاءت به ، ونوع المخاطبين بها ، والحادثة التي تفسرها وتبين المقصود منها .

2- النظر في جميع النصوص المتعلقة بالموضوع ، والتي من خلالها يمكن الوصول إلى فهم نظرة الإسلام إلى المسألة ، وليس من خلال نص واحد فقط .

ومن لم يفعل ذلك ضلَّ وتاه ، وباع عقله وفكره لكل ناعق بشبهة ، ولكل من يحسن الوسوسة بالشر والفساد .

 

 

ونقول أيضاً :

كيف تُصَدَّقُ دعوى مَن يدَّعي أن الإسلام جاء بقتل من لم يتبعه مطلقاً ، وقد علم الناس جميعاً علم اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم عفا عن أهل مكة بعد أذاهم الشديد له فجاءه ملك الجبال ليطبق عليهم الأخشبين (جبلان بمكة) ، فقال صلى الله عليه وسلم : ( أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ) رواه البخاري (3231) ومسلم (1795)، وعفا أيضاً صلى الله عليه وسلم عن كفار قريش الذين ظلموا المؤمنين وأكلوا أموالهم بعد فتح مكة ، بل وأكرم بعض كبرائهم رجاء حسن إسلامهم ، وذلك حين قال – يوم فتح مكة - : ( مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ) رواه مسلم (331)؟!

 

كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد شرع الله تعالى لنا قبول الجزية من أهل الأديان الأخرى ، والموافقة على بقائهم في حماية دولة الإسلام وكفالتها؟!

 

كيف تُصدَّق هذه الدعوى وقد علمنا يقيناً كيف قبل النبي صلى الله عليه وسلم الصلح مع يهود المدينة ، وتعايش معهم رجاء أن يحفظوا العهد ولا يخونوا ، ولم يقاتل أحداً منهم حتى كانوا هم البادئين بالغدر والخيانة ؟!!

 

ألم يقل رب العزة شارحاً مقاصد البعثة والرسالة في كلمة واحدة عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/107. ؟!!

بل قال عز وجل أيضاً : ( فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ) الأنعام/147.

 

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :

"يقول تعالى : فإن كذّبك - يا محمد - مخالفوك من المشركين واليهود ومن شابههم ، فقل : (رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) ، وهذا ترغيب لهم في ابتغاء رحمة الله الواسعة واتباع رسوله ، (وَلا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ) ترهيب لهم من مخالفتهم الرسول خاتم النبيين " انتهى .

" تفسير القرآن العظيم " (3/357)

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ! قَالَ : ( إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً ) رواه مسلم (2599) .

 

نرجو أن يكون في هذه الكلمات ذكرى نافعة يزيل الله بها عن الأخ السائل حيرته في معنى هذا الحديث .

 

والله أعلم

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا