الجمعة 6 صفر 1436 - 28 نوفمبر 2014

145203: هل من مات بالسرطان نتيجة شربه الدخان له منزلة الشهداء ؟!


السؤال: سمعت أن من مات بسبب السرطان أو حرقاً أو غرقاً فإنه يدخل الجنة ، فهل هذا صحيح ؟ فإني أعرف شخصاً قضى حياته مدخناً ثم مات بسبب سرطان في الحلق ، ولكن الأطباء لم يقولوا إن السرطان الذي أصابه هو بسبب التدخين .

الجواب :

الحمد لله

أولاً:

ثبت في صحيح السنَّة أنواع من الشهداء لهم منازل الشهداء في الآخرة ، وهذا من فضل الله تعالى ورحمته .

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ : الْمَطْعُونُ وَالْمَبْطُونُ وَالْغَرِقُ وَصَاحِبُ الْهَدْمِ وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) .

رواه البخاري ( 2674 ) ومسلم ( 1914 ) .

وعن جَابِرَ بْنَ عَتِيكٍ أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ( مَا تَعُدُّونَ الشَّهَادَةَ ؟ ) قَالُوا : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الشَّهَادَةُ سَبْعٌ سِوَى الْقَتْلِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ . الْمَطْعُونُ شَهِيدٌ . وَالْغَرِقُ شَهِيدٌ . وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ . وَالْمَبْطُونُ شَهِيدٌ . وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ . وَالَّذِي يَمُوتُ تَحْتَ الْهَدْمِ شَهِيدٌ . وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدٌ ) .

رواه أبو داود ( 3111 ) والنسائي ( 1846 )  ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :

قال ابن التين : هذه كلها ميتات فيها شدة ، تَفضل الله على أمة محمد صلى الله عليه و سلم بأن جعلها تمحيصاً لذنوبهم ، وزيادة في أجورهم ، يبلغهم بها مراتب الشهداء .

" فتح الباري " ( 6 / 44 ) .

وانظر شرح الحديثين في جوابي السؤالين : ( 45669 ) و ( 10903 ) .

وقد جعل بعض العلماء " المرض " داخلاً في تلك الأنواع ، ولم يصحَّ في ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وما استدلوا به فهو ضعيف جدّاً أو موضوع ، وهو :

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ مَاتَ مَرِيضًا مَاتَ شَهِيدًا وَوُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ وَغُدِيَ وَرِيحَ عَلَيْهِ بِرِزْقِهِ مِنْ الْجَنَّةِ ) .

رواه ابن ماجه ( 1615 ) وحكم عليه ابن الجوزي والألباني بالوضع ، كما في " السلسلة الضعيفة " ( 4661 ) .

 

ثانياً:

من مات بمرض " السرطان " فقد مال بعض أهل العلم إلى أنه يدخل في أنواع الشهداء الوارد ذكرهم في الحديث ، على اعتبار أن " المبطون " عام لكل من مات بداء في بطنه ، وأن ذلك ليس خاصا بداء معين .

قال النووي رحمه الله :

"وَأَمَّا ( الْمَبْطُون ) فَهُوَ صَاحِب دَاء الْبَطْن , وَهُوَ الْإِسْهَال . قَالَ الْقَاضِي : وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي بِهِ الِاسْتِسْقَاء وَانْتِفَاخ الْبَطْن , وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي تَشْتَكِي بَطْنه , وَقِيلَ : هُوَ الَّذِي يَمُوت بِدَاءِ بَطْنه مُطْلَقًا " . انتهى . " شرح صحيح مسلم " للنووي .

 

لكن ينبغي أن ينتبه إلى أن ذلك الإلحاق مقيد بشرطين :

الأول : أن يكون موضع السرطان في " البطن " ، فيصدق عليه أنه " مبطون " .

سئل الشيخ عبد المحسن العبَّاد – حفظه الله - :

هل يدخل من يموت بالسرَطان في " المبطون " ؟ .

فأجاب :

لا ؛ لأن السرطان لا يكون دائماً في البطن ، فقد يكون في غير البطن .

" شرح سنن أبي داود " ( شريط رقم 230 ) .

وبما أن صاحبك كان موضع السرطان في " حلقه " فهو غير داخل في أي نوع من أنواع أولئك الشهداء .

الثاني : أن لا يكون ذلك المرض بسبب تناوله الدخان أو المخدرات أو الخمور ، وغيرها من المحرمات ، إلا أن يكون قد تاب من ذلك توبة نصوحاً ، وامتنع عن تناول تلك المحرمات .

وهذا الشرط عام في كل من ذُكر في الحديث ، فالحامل من زنا وتموت في الطلق ليست من الشهداء ، والغريق إذا ركب البحر لمعصية أو فجور ومات غرقاً ليس من الشهداء ، وهكذا من تهدم عليه حائط وهو يزني أو يشرب الخمر لا يكون من الشهداء ، وقد ذكرنا في جواب السؤال رقم ( 45669 ) عن علماء اللجنة الدائمة أن مات نتيجة حادث سيارة وهو داخلها أنه يدخل في " صاحب الهدم " فيكون شهيداً بإذن الله ، لكن ذلك لا ينطبق على أولئك الشباب المتهورين الذين حصل معهم هذا وهم " يفحطون " بسياراتهم ، ولا على أولئك المتسابقين في ظروف صعبة في الجبال والأودية وعلى الثلوج .

وفي جواب السؤال رقم ( 22140 ) نقلنا عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن الغريق العاصي في ركوبه البحر لا يكون شهيداً .

وقال – رحمه الله - في موضع آخر :

ومن أراد سلوك طريق يستوي فيها احتمال السلامة والهلاك وجب عليه الكف عن سلوكها ، فإن لم يكف فيكون أعان على نفسه ، فلا يكون شهيداً .

" الفتاوى الكبرى " ( 5 / 381 ) .

وقال السيوطي – رحمه الله - :

قال القرطبي : وهذا والذي قبله – أي : صاحب الهدم والغريق - إذا لم يغررا بنفسيهما ، ولم يهملا التحرز ، فإن فرَّطا في التحرز حتى أصابهما ذلك : فهما عاصيان .

" الديباج على مسلم " ( 4 / 508 ) .

وفي " الموسوعة الفقهية " ( 26 / 273 ، 274 ) :

واستثني من الغريب : العاصي بغربته ، ومن الغريق : العاصي بركوبه البحر ، كأن كان الغالب فيه عدم السلامة ، أو ركوبه لإتيان معصية من المعاصي ، ومن الطلْق : الحامل بزنى" . انتهى .

وإذا كان شهيد المعركة الذي يُقتل بالسيف ، إن كان قاتل عصبية أو حمية أو رياء ، لا يكون له فضل الشهداء ولا مرتبتهم ، فأولى أن لا يكون لأولئك ذلك الأجر الجزيل .

 

والخلاصة :

أن مرض السرطان بحد ذاته لا يدخل الميت بسببه في أنواع الشهداء ، إلا أن يكون المرض في بطنه ، وأن ذلك ليس منصوصا في الحديث ، وإنما هو اجتهاد لبعض أهل العلم في فهم معنى " المبطون " ، وأن من كان مرضه بسبب الدخان أو غيره ، ومات منه قبل التوبة ، فلا يكون شهيداً بذلك ، ولو كان موضع المرض في بطنه ، فإن كان المرض في بطنه ولم يكن بسبب فعل محرَّم ، رجونا له كان له منزلة الشهداء في الآخرة ، إن شاء الله .

 

والله أعلم

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا