الجمعة 4 ربيع الأول 1436 - 26 ديسمبر 2014

159041: وجه الجمع بين أحاديث النهي عن التحليل وبين حديث امرأة رفاعة


السؤال: جاء عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لعن الله المحلل والمحلَل له". والمحلل هو الرجل الذي يتزوج المرأة لغرض تحليلها لزوجها الأول والمحلل له هو الزوج الأول.. وورد عند بن ماجة من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: هو المحلل. لعن الله المحلل والمحلل له." فنخلص من هاذين الحديثين إلى أن التحليل حرام شرعاً. لكن في المقابل نجد حديثاً أخر في سنن أبي داود برقم 2302 في الكتاب 12 من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن رجل طلق زوجته ثلاثاً فتزوجت رجلاً اخر طلقها قبل أن يواقعها، فهل يجوز أن تعود لزوجها الأول.. فقالت عائشة رضي الله عنها: فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحل له حتى يذوق عسيلتها وتذوق عسيلته (أي الزوج الثاني).. فالذي نفهمه من هذا الحديث أنه يجوز التحليل شرط أن يدخل بها الزوج الثاني.. أفلا يُعد هذا تناقض بين الأدلة؟ ففي الحديثين الأول يُلعن المحلل والمحلل له، وفي الحديث الثاني نرى الأمر لا بأس به. فما قولكم في ذلك؟

الجواب :
الحمد لله
ليس هناك تناقض بين هذه الأحاديث ، فإن الرجل إذا تزوج امرأةً مطلقة ثلاثاً بقصد إحلالها للأول فها الزواج محرم ، وهو الذي لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعله .
وأما حديث امرأة رفاعة ، فليس فيه أن عبد الرحمن بن الزبير تزوجها بقصد التحليل ، بل روايات الحديث تدل على أنه تزوجها وهو راغب في التمسك بها ، ولم يطلقها بمجرد طلبها الطلاق ، وإنما هي أرادت أن تعود لزوجها الأول ، فبين لها النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا يحل لها ذلك حتى يدخل بها الزوج الثاني ، وهي كانت قد ذكرت أنه لم يدخل بها .
وهذه بعض ألفاظ حديث امرأة رفاعة ، رواه البخاري (2639) ومسلم (1433) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : (جَاءَتْ امْرَأَةُ رِفاعَةَ الْقُرَظِيِّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَأَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ . فَقَالَ : ( أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ ؟ لَا ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ ) .
وروى مسلم (1433) عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَأَرَادَ زَوْجُهَا الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا ، فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : ( لَا حَتَّى يَذُوقَ الْآخِرُ مِنْ عُسَيْلَتِهَا مَا ذَاقَ الْأَوَّلُ ) .
فليس في الحديث إذاً أن عبد الرحمن تزوجها بنية التحليل ، وإنما هي التي أرادت أن ترجع لزوجها الأول ، ووجود هذه النية منها لا يجعل النكاح نكاح تحليل ، لأن الطلاق ليس بيدها .

قال ابن عبد البر رحمه الله :
" وفي قوله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة : (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) دليل على أن إرادة المرأة الرجوع إلى زوجها لا يضر العاقد عليها ، وأنها ليست بذلك في معنى التحليل المستحق صاحبه اللعنة " انتهى .
"التمهيد" (13 /227) .
وقال ابن القيم رحمه الله :
" لا أثر لنية الزوجة ولا الولي وإنما التأثير لنية الزوج الثاني فإنه إذا نوى التحليل كان محللا فيستحق اللعنة ثم يستحقها الزوج المطلق إذا رجعت إليه بهذا النكاح الباطل ، فأما إذا لم يعلم الزوج الثاني ولا الأول بما في قلب المرأة أو وليها من نية التحليل لم يضر ذلك العقد شيئا . وقد علم النبي صلى الله عليه وسلم من امرأة رفاعة أنها كانت تريد أن ترجع إليه ولم يجعل ذلك مانعا من رجوعها إليه ، وإنما جعل المانع عدم وطء الثاني فقال : ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ) " انتهى .
"إعلام الموقعين" (4 /45-46) .
والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا