177694: بيان بطلان قصة مقتل عصماء بنت مروان


السؤال :
من فضلك هل لك أن توضح لي مقتل أسماء أو العصماء بنت مروان المشركة ، فلقد سمعت من معاديين للإسلام كلاما عن أنها قتلت بأمر من النبي صلى الله عليه وسلم وبطريقة وحشية وهذا يدل حسب نظرتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان رجلا دمويًا ؟ فما هذه القصة ؟ وكيف نرد على من أثارها؟ أفيدوني أفادكم الله وجزاكم الله خيرا .

الجواب :
الحمد لله
أولا :
أخبر الله تعالى في كتابه المجيد أنه إنما أرسل رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للناس كلهم فقال سبحانه : ( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ) الأنبياء/ 107 .
" فمن قبل هذه الرحمة وشكر هذه النعمة سعد في الدنيا والآخرة ، ومن ردها وجحدها خسر في الدنيا والآخرة " انتهى من "تفسير ابن كثير" (5 /385) .
وروى الحاكم في "المستدرك" (100) عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أيها الناس إنما أنا رحمة مهداة ) وصححه الألباني في "صحيح الجامع" (2345) .

وهو صلى الله عليه وسلم الذي عفا عن قريش كلها ، وقد خذلوه وعادوه وأخرجوه وحاربوه وألبوا عليه العرب ، فلما فتح مكة عفا عنهم ولم يؤاخذهم بسوء صنيعهم ولا انتقم منهم .

وهو الذي عفا عن اليهودية التي دست له السم في الشاة ، فروى البخاري (2617) ومسلم (5834) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : ( أَنَّ يَهُودِيَّةً أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا فَجِيءَ بِهَا فَقِيلَ : أَلَا نَقْتُلُهَا ؟ قَالَ لَا ) .
وقالت عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : ( وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ فِي شَيْءٍ قَطُّ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ بِهَا لِلَّهِ ) رواه البخاري (6126) ومسلم (2327) .
وروى البخاري (4838) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ) الأحزاب / 45 ، قَالَ : فِي التَّوْرَاةِ : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكِّلَ لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ بِالْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ السَّيِّئَةَ بِالسَّيِّئَةِ وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ ) .

وأخباره صلى الله عليه وسلم في الصبر على الأذى والعفو والصفح وعدم المؤاخذة ومقابلة السيئة بالحسنة لا تحصى ، وإنما يريد هؤلاء النيل منه صلى الله عليه وسلم زيادة في الكفر وحسدا من عند أنفسهم ، وبغضا ومقتا ، وإرادة لما يهوونه ويشتهونه من إطفاء نور الله ، والله متم نوره ولو كره الكافرون .

وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قتل النساء ؛ فروى أبو داود (2669) عَنْ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ فَرَأَى النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ عَلَى شَيْءٍ فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : انْظُرْ عَلَامَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ فَجَاءَ فَقَالَ : عَلَى امْرَأَةٍ قَتِيلٍ فَقَالَ : مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ، قَالَ : وَعَلَى الْمُقَدِّمَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَبَعَثَ رَجُلًا فَقَالَ : ( قُلْ لِخَالِدٍ لَا يَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا عَسِيفًا ) وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" .

ثانيا :
أما خبر مقتل عصماء بنت مروان الذي يروج له هؤلاء الأفاكون فهو خبر موضوع ، رواه القضاعي في "مسند الشهاب" (856) والخطيب في "التاريخ" (13/99) وابن عساكر في "تاريخه" (51/224) وابن عمر الحربي في "فوائده" (50) كلهم من طريق محمد بن الحجاج اللَّخمي أبو إبراهيم الواسطي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عَنْ اِبْنِ عَبَّاسٍ قال :
( هجت امرأة من بني خطمة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهجاء لها ، قال : فبلغ ذلك النبيَّ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فاشتد عليه ذلك ، وقال : ( من لي بها ) ، فقال رجل من قومها : أنا يا رسول الله ! وكانت تمّارة ؛ تبيع التمر ، قال : فأتاها ، فقال لها : عندك تمر ؛ فقالت :
نعم ، فأرته تمراً ، فقال أردتُ أجود من هذا ، قال : فدخلت لتريه ، قال : فدخل خلفها ونظر يميناً وشمالاً ، فلم ير إلا خِواناً ، فعلا به رأسها حتى دمغها به ، قال : ثم أتى النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال : يا رسول الله ! قد كفيتُكَها . قال : فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إنه لا ينتطح فيها عنزان )
وهذه المرأة هي عصماء بنت مروان .
وهذا إسناد باطل ، وخبر موضوع ؛ راويه محمد بن الحجاج قال البخاري : منكر الحديث.
وقال ابن معين : كذاب خبيث ، وقال الدارقطني : كذاب ، وقال – مرة : ليس بثقة .
"ميزان الاعتدال" (3 /509) .
وقال ابن عدى : " محمد بن الحجاج وضع حديث المرأة التي كانت تهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما قتلت قال : لا تنتطح فيها عنزان " .
انتهى من "الموضوعات" لابن الجوزي (3 /18)
والحديث ذكره الشيخ الألباني رحمه الله في "الضعيفة" (6013) وقال " موضوع " .

ورواه الواقدي في "المغازي" (ص173) ومن طريقه القضاعي (858) : حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ أَبِيهِ : ( أَنّ عَصْمَاءَ بِنْتَ مَرْوَانَ مِنْ بَنِي أُمَيّةَ بْنِ زَيْدٍ كَانَتْ تَحْتَ يَزِيدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حِصْنٍ الْخَطْمِيّ وَكَانَتْ تُؤْذِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَعِيبُ الْإِسْلَامَ وَتُحَرّضُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ، قَالَ عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ بْنِ خَرَشَةَ بْنِ أُمَيّةَ الْخَطْمِيّ حِينَ بَلَغَهُ قَوْلُهَا وَتَحْرِيضُهَا : اللّهُمّ إنّ لَك عَلَيّ نَذْرًا لَئِنْ رَدَدْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ لَأَقْتُلَنّهَا - وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ بِبَدْرٍ - فَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بَدْرٍ جَاءَهَا عُمَيْرُ بْنُ عَدِيّ فِي جَوْفِ اللّيْلِ حَتّى دَخَلَ عَلَيْهَا فِي بَيْتِهَا ، وَحَوْلَهَا نَفَرٌ مِنْ وَلَدِهَا نِيَامٌ مِنْهُمْ مَنْ تُرْضِعُهُ فِي صَدْرِهَا ; فَجَسّهَا بِيَدِهِ فَوَجَدَ الصّبِيّ تُرْضِعُهُ فَنَحّاهُ عَنْهَا ، ثُمّ وَضَعَ سَيْفَهُ عَلَى صَدْرِهَا حَتّى أَنْفَذَهُ مِنْ ظَهْرِهَا ، ثُمّ خَرَجَ حَتّى صَلّى الصّبْحَ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَمّا انْصَرَفَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَظَرَ إلَى عُمَيْرٍ فَقَالَ أَقَتَلْت بِنْتَ مَرْوَانَ ؟ قَالَ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللّهِ .
وَخَشِيَ عُمَيْرٌ أَنْ يَكُونَ افْتَاتَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِهَا ، فَقَالَ هَلْ عَلَيّ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ فَإِنّ أَوّلَ مَا سَمِعْت هَذِهِ الْكَلِمَةَ مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ، قَالَ عُمَيْرٌ فَالْتَفَتَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَنْ حَوْلَهُ فَقَالَ : إذَا أَحْبَبْتُمْ أَنْ تَنْظُرُوا إلَى رَجُلٍ نَصَرَ اللّهَ وَرَسُولَهُ بِالْغَيْبِ فَانْظُرُوا إلَى عُمَيْرِ بْنِ عَدِيّ ) انتهى .

وهذا إسناد تالف ، الواقدي – وهو محمد بن عمر بن واقد : قال الإمام أحمد : هو كذاب ، يقلب الأحاديث ، وقال ابن معين: ليس بثقة ، وقال – مرة : لا يكتب حديثه ، وقال البخاري وأبو حاتم: متروك ، وقال أبو حاتم أيضا والنسائي: يضع الحديث ، وقال ابن عدى: أحاديثه غير محفوظة والبلاء منه ، وقال ابن المديني : الواقدي يضع الحديث .
"ميزان الاعتدال" (3 /663) .
" وقال النسائي : الكذابون المعروفون بوضع الحديث أربعة : إبراهيم بن أبي يحيى بالمدينة والواقدي ببغداد ومقاتل بخراسان ومحمد بن سعيد بالشام " .
انتهى من "تهذيب التهذيب" (9 /163) .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا