الاثنين 2 صفر 1436 - 24 نوفمبر 2014

178395: هل يجوز ذكر عيوب المسلمين عند أهل الكتاب ؟


السؤال:
هل يجوز ذكر عيوب المسلمين عند أهل الكتاب ؟

الجواب :
الحمد لله
اعلم أن المسلم أخو المسلم وعدو الكافر ، ولو كان المسلم في ظاهره سيء الخلق سيء المعشر ، وكان الكافر بخلاف ذلك ؛ فالمسلم أولى بالخير بكل حال .
وقد أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بموالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين في نصوص كثيرة في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، فضلا عن كلام أهل العلم وإجماعهم على ذلك ؛ فإن من عقيدتهم موالاة المؤمنين والبراءة من الكافرين .
يقول الله عز وجل : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) المائدة/ 51
ثم قال تعالى : ( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) المائدة/ 55-57

قال الشيخ ابن باز رحمه الله :
" القرآن يدعو إلى موالاة المؤمنين ومعاداة الكافرين أينما كانوا وكيفما كانوا " انتهى من "مجموع فتاوى ابن باز" (1 /297)
وقال تعالى :
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) المائدة/54
قال الشيخ السعدي رحمه الله :
" فَهُم للمؤمنين أذلة من محبتهم لهم ، ونصحهم لهم ، ولينهم ورفقهم ورأفتهم ، ورحمتهم بهم وسهولة جانبهم ، وقرب الشيء الذي يطلب منهم وعلى الكافرين بالله ، المعاندين لآياته ، المكذبين لرسله – أعزة ، قد اجتمعت هممهم وعزائمهم على معاداتهم ، وبذلوا جهدهم في كل سبب يحصل به الانتصار عليهم ، قال تعالى : ( أشداء على الكفار رحماء بينهم ) فالغلظة والشدة على أعداء الله مما يقرب العبد إلى الله ، ويوافق العبد ربه في سخطه عليهم ، ولا تمنع الغلظة عليهم والشدة دعوتهم إلى الدين الإسلامي بالتي هي أحسن . فتجتمع الغلظة عليهم ، واللين في دعوتهم ، وكلا الأمرين من مصلحتهم ونفعه عائد إليهم " انتهى من "تفسير السعدي" (ص 235)
وروى مسلم (2564) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَنَاجَشُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا . الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ . التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ - بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )

وروى البخاري (6011) ومسلم (2586) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى )

فالواجب على المسلم أن يحوط أخاه المسلم بعنايته ، ويكون في عونه وحاجته ، ويستر عليه في زلته ، فإذا اقترف خطيئة أو إثما : نصحه وأمره ونهاه ، ولا يدعه لشيطانه ونفسه الأمارة بالسوء.
وإذا حصل منه ذنب ، كبير أو صغير لم يبرأ منه ، ولم يبرأ من موالاته بما هو عليه من الإسلام ، إنما يبرأ من ظلمه وإثمه وعدوانه ، مع بقاء أصل الموالاة والمحبة لما هو عليه من الإيمان ؛ فإن عاد عن ذنبه وخطئه ، عادت له من الولاية والنصرة بحسب حاله .
وأما الكافر ، فالمسلم براءته منه لما هو عليه من دينه الكفري ، وبعده عن صراط الله المستقيم ؛ فأين هذا من المؤمن وحاله ، ولو كان من أهل التقصير والتفريط .

أما ذكره أخاه المسلم بما يعيبه ويشينه أمام الكافر من أهل الكتاب أو غيرهم ، فهو من الخلق الذميم ، وكثيرا ما ينمّ عن خلل في الاعتقاد ، فإن كثيرا من المسلمين من يفتتن بغير المسلمين مما يبدو لهم من ظواهر أحوالهم ، فإذا رأى من المسلم ما يكره عابه وتنقصه ورأى أن غير المسلم خيرا منه .
وإذا كان مأمورا بالستر عليه بين المسلمين فكيف يسعى لفضحه بين أعداء المسلمين من أهل الكتاب أو غيرهم ، وكيف يشمت الأعداء بأخيه المؤمن ، أو يدلهم على عورته ونقصه ؟

بل قال الإمام النووي رحمه الله :
" وَلَوْ قَالَ مُعَلِّمُ الصِّبْيَانِ: الْيَهُودُ خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِكَثِيرٍ ; لِأَنَّهُمْ يَقْضُونَ حُقُوقَ مُعَلِّمِي صِبْيَانِهِمْ، كَفَرَ" !! انتهى من "روضة الطالبين" (10/69) .
وهذا في واقع الأمر هو النهاية الطبيعية لذكر سوءات المسلمين وعيوبهم عند أعداء الله من الكفار ؛ أن يؤول الأمر بقائله أو سامعه إلى تفضيل الكفار على المسلمين ، خاصة إذا كان في مقام المقارنة ، التي عادة ما تختزل الصفات في صفة واحدة ، والموازين في مبدأ واحد يريد القائل أو السامع تعظيمه عن غيره .

فليحذر العاقل أن يكون عونا على أخيه ، أو يكون فتنة للكفار ، إذا ذكر عندهم سوءات المسلمين ؛ فإن من شأن ذلك أن يصدهم عن دين الله ، ويضعف رغبتهم فيه .

والله تعالى أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا