الأحد 1 صفر 1436 - 23 نوفمبر 2014

178463: فاضل في العطية بين الذكور والإناث ثم مات


السؤال:
خالي أتعبه تقدمه بالعمر والمرض ، وهو موسر إلا انه يتصرف برأي أحد أولاده الذي أشار إليه ببيع بيت بمبلغ قارب ال800 مليون دينار عراقي ، فاستلم الابن المبلغ وأعطى لشقيقاته الأربع لكل واحدة منهن 15 مليون دينار ، ولأشقائه من الذكور مبلغ 90 مليون ليشتري كل واحد منهم دارا , فلما اعترضت الشقيقات قام باسترجاع ما أعطاهن بدعوى أنه سيشتري بيوتا يسجلها باسم الوالد ، لكنه لم يفعل حيث اشترى الأشقاء دورا من المبلغ الذي أعطاهم إياه وهو 90 مليون لكل واحد , وبعد فترة قصيرة توفي الوالد , فما حكم الشرع في هذه القسمة حيث يريد هذا الشقيق أن يعطى كل شقيقة 15 مليون التي كان قد استرجعها منهن ويقسم ما بقي من تركة والدهم قسمة شرعية . جزاكم الله خيرا .

الجواب :
الحمد لله
إذا أعطى الرجل أولاده عطية غير النفقة الواجبة ، لزمه أن يعدل بينهم ، وذلك لما روى البخاري (2587 ) ومسلم (1623) عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ : تَصَدَّقَ عَلَيَّ أَبِي بِبَعْضِ مَالِهِ ، فَقَالَتْ أُمِّي عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ : لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَانْطَلَقَ أَبِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُشْهِدَهُ عَلَى صَدَقَتِي ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفَعَلْتَ هَذَا بِوَلَدِكَ كُلِّهِمْ؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : (اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ) فَرَجَعَ أَبِي فَرَدَّ تِلْكَ الصَّدَقَةَ .
ولمسلم (1623) : ( فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بَشِيرُ ، أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ : لَا ، قَالَ : ( فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا ، فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ) .
قال ابن قدامة رحمه الله : " يجب على الإنسان التسوية بين أولاده في العطية , إذا لم يختص أحدهم بمعنى يبيح التفضيل , فإن خص بعضهم بعطيته , أو فاضل بينهم فيها : أثم , ووجبت عليه التسوية بأحد أمرين ; إما رد ما فَضَّل به البعض , وإما إتمام نصيب الآخر ، قال طاوس : لا يجوز ذلك , ولا رغيف محترق ، وبه قال ابن المبارك وروي معناه عن مجاهد , وعروة " انتهى من "المغني" (5/ 387) .
وإذا كان الأولاد ذكورا وإناثا ، فإن العدل بينهم أن يعطي الذكر مثل حظ الانثيين ؛ لأنها القسمة التي ارتضاها الله لعباده في الميراث ، وهذا مذهب الحنابلة .

وذهب الجمهور إلى التسوية بين الذكر والأنثى في العطية .
قال ابن قدامة رحمه الله : " إذا ثبت هذا , فالتسوية المستحبة أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله تعالى الميراث , فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ، وبهذا قال عطاء , وشريح , وإسحاق , ومحمد بن الحسن . قال شريح لرجل قسم ماله بين ولده : ارددهم إلى سهام الله تعالى وفرائضه وقال عطاء : ما كانوا يقسمون إلا على كتاب الله تعالى .
وقال أبو حنيفة , ومالك , والشافعي , وابن المبارك : تعطى الأنثى مثل ما يعطى الذكر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبشير بن سعد : " سوِّ بينهم " ، وعلل ذلك بقوله : أيسرك أن يستووا في برك ؟ قال : نعم ، قال : فسوِّ بينهم ، والبنت كالابن في استحقاق برها , وكذلك في عطيتها ، وعن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( سووا بين أولادكم في العطية , ولو كنت مؤثرا لأحد لآثرت النساء على الرجال ) رواه سعيد في " سننه " ؛ ولأنها عطية في الحياة , فاستوى فيها الذكر والأنثى , كالنفقة والكسوة .
ولنا : أن الله تعالى قسم بينهم , فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين , وأولى ما اقتدى بقسمة الله , ولأن العطية في الحياة أحد حالي العطية , فيجعل للذكر منها مثل حظ الأنثيين , كحالة الموت ، يعني الميراث .
يحقّقه : أن العطية استعجال لما يكون بعد الموت , فينبغي أن تكون على حسبه , كما أن معجِّل الزكاة قبل وجوبها ، يؤديها على صفة أدائها بعد وجوبها , وكذلك الكفارات المعجلة , ولأن الذكر أحوج من الأنثى من قِبل أنهما إذا تزوجا جميعا فالصداق والنفقة ونفقة الأولاد على الذكر , والأنثى لها ذلك , فكان أولى بالتفضيل ; لزيادة حاجته , وقد قسم الله تعالى الميراث , ففضل الذكر مقرونا بهذا المعنى ، فتعلل به , ويتعدى ذلك إلى العطية في الحياة " .
انتهى من "المغني" (5/ 389).

ولو فاضل الأب في العطية ثم مات ، لزم الأولاد أن يصححوا القسمة ، ويقيموا العدل ، فيكملون نصيب البنات ، لتأخذ البنت نصف ما أخذ الذكر ، ثم يقسمون الفاضل من التركة بعد ذلك .
وعليه : فيلزم الأبناء المذكورين أن يعطوا كل أخت من أخواتهم 45 مليونا قبل قسمة التركة ، فإن لم يفعلوا كانوا آثمين ظالمين آكلين للمال الباطل .
والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا