en

179514: إجماع أهل المدينة : هل هو حجة شرعية ؟


السؤال:
سمعت أن الإمام مالك كان يعتبر إجماع أهل المدينة حجة ملزمة ، فهل هذا صحيح ؟ إذا كان كذلك ، فهل يُعتبر حجة ملزمة للأمّة بأجمعها؟

الجواب :
الحمد لله
أولا :
كان الإمام مالك رحمه الله شديد الاعتناء بعمل أهل المدينة ، ويرى أنه حجة في دين الله ، وأنه لا يجوز مخالفة جماعتهم ، كتب إلى الليث بن سعد رحمه الله يقول :
" الناس تبع لأهل المدينة ، إليها كانت الهجرة ، وبها نزل القرآن ، وأحل الحلال ، وحرم الحرام ، إذ رسول الله بين أظهرهم ، يحضرون الوحي والتنزيل ، ويأمرهم فيطيعونه ، ويسن لهم فيتبعونه ، حتى توفاه الله واختار له ما عنده صلوات الله عليه ورحمته وبركاته .
ثم قام من بعده أتبع الناس له من أمته ممن ولي الأمر من بعده فما نزل بهم مما علموا أنفذوه ، وما لم يكن عندهم فيه علم سألوا عنه ، ثم أخذوا بأقوى ما وجدوا في ذلك في اجتهادهم وحداثة عهدهم ، وإن خالفهم مخالف ، أو قال امرؤ غيره أقوى منه وأولى ، ترك قوله وعمل بغيره ، ثم كان التابعون من بعدهم يسلكون تلك السبيل ويتبعون تلك السنن .

فإذا كان الأمر بالمدينة ظاهراً معمولاً به ، لم أر لأحد خلافه ؛ للذي في أيديهم من تلك الوراثة التي لا يجوز لأحد انتحالها ولا ادعاؤها ، ولو ذهب أهل الأمصار يقولون هذا العمل ببلدنا وهذا الذي مضى عليه من مضى منا ، لم يكونوا من ذلك على ثقة ، ولم يكن لهم من ذلك الذي جاز لهم " انتهى من "ترتيب المدارك" للقاضي عياض (1 /10) .
ثانيا :
مراد الإمام مالك رحمه الله بذلك عمل أهل المدينة الذي يجرى مجرى النقل ، وكذا عملهم القديم الذي كان زمن الصحابة رضي الله عنهم ثم جرى عمل الناس عليه بعدهم ، أما عملهم بعد ذلك العهد ، واختلافهم مع الناس فيما يُدرك بالاستنباط والاجتهاد ، فلا يعتبر عند الإمام مالك حجة لا تجوز مخالفتها ، وإنما غايته أن يكون مرجحا ، وإنما خالف في ذلك من خالف من متأخري المالكية .

قال القاضي عبد الوهاب بن علي المالكي رحمه الله : " إجماع أهل المدينة نقلا : حجة تحرم مخالفته ، ومن طريق الاجتهاد مختلف في كونه حجة ، والصحيح عندنا أنه يرجح به على غيره ، ولا يحرم الذهاب إلى خلافه " انتهى من "المعونة على مذهب عالم المدينة" (2/607).
وقال الباجي رحمه الله :
" ذلك أن مالكا إنما عول على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة ، في ما طريقه النقل ؛ كمسألة الأذان وترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ، ومسألة الصاع ، وترك إخراج الزكاة من الخضراوات ، وغير ذلك من المسائل التي طريقها النقل ، واتصل العمل بها في المدينة على وجه لا يخفى مثله ، ونقل نقلا يحج ويقطع العذر " انتهى من "إحكام الفصول" (1/486) .
وقال أيضا (1/488) :
" ما أدركوه بالاستنباط والاجتهاد ، فهذا لا فرق فيه بين علماء المدينة وعلماء غيرهم ، في أن المصير منه إلى ما عضده الدليل والترجيح ، ولذلك خالف مالك في مسائل عدة أقوال أهل المدينة .
هذا مذهب مالك في هذه المسألة ، وبه قال محققو أصحابنا ، كأبي بكر الأبهري وغيره ، وقال به أبو بكر وابن القصار وأبو تمام ، وهو الصحيح .
وقد ذهب جماعة ممن ينتحل مذهب مالك ممن لم يمعن النظر في هذا الباب إلى أن إجماع أهل المدينة حجة فيما طريقه الاجتهاد " انتهى .
وقال شيخ الإسلام رحمه الله :
" عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى النَّقْلِ حُجَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ ، كَمَا قَالَ مَالِكٌ لِأَبِي يُوسُفَ - لَمَّا سَأَلَهُ عَنْ الصَّاعِ وَالْمُدِّ ، وَأَمَرَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ بِإِحْضَارِ صِيعَانِهِمْ ، وَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ إسْنَادَهَا عَنْ أَسْلَافِهِمْ - : أَتَرَى هَؤُلَاءِ يَا أَبَا يُوسُفَ يَكْذِبُونَ ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا يَكْذِبُونَ " .
انتهى من "مجموع الفتاوى" (20 /306) .

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا