الجمعة 18 جمادى الآخر 1435 - 18 أبريل 2014
187534

غير مسلم ويريد أن يتعرف أكثر إلى عالم الجن

السؤال:
أنا معجب جداً بالجن وثقافتهم ، أظن أني أحبهم ، أريد أن أعرف عنهم المزيد ؟


الجواب :
الحمد لله
الجن عالم عظيم من المخلوقات ، ذكرهم الله عز وجل في القرآن الكريم في كثير من السور والآيات ، ومن أعظم تلك الآيات ما أخبرنا عنه جل وعلا في سورة " الجن " من الحكمة البالغة والعقل الراجح الذي يتمتع به كثير منهم ، رغم تباينهم عن عالم الإنسان ، ولكنهم بهتوا حين سمعوا كلام الحق والإيمان ، ونور السماء يتلى مِن فم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصَدَقُوا الله عز وجل ، وصدقوا مع أنفسهم ، ولم يملكوا إلا أن يستسلموا للحق الذي استمعوا إليه ، ويَدَعُوا عنهم كل كبر وعناد ، وكل شك وتردد ، متخذين قرارهم بالإيمان بخاتم النبيين ، وبشارة عيسى ابن مريم عليه السلام ، من غير أن يلتفتوا إلى شبهات المشركين وأقاويلهم ، فالحق لا تكدره المحاولات الآثمة ، ولا تغطيه حجج واهية تَحيد عن المقصد الأساس الذي بعث لأجله محمد صلى الله عليه وسلم ، مصدقا لمن سبقه من الرسل الكرام ، بتوحيد الله تعالى ونشر القيم والأخلاق الفاضلة بين الناس ، واستكمال بعثة جميع الأنبياء من قبله ، وكلها غرضها إخراج العباد من عبادة العباد ، إلى عبادة رب العباد ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة ، ومن جور الأديان البشرية والمحرفة ، إلى عدل الإسلام ورحمته .
يقول الله عز وجل : ( وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ . قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ . يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ . وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ) الأحقاف/29-32.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله :
" هذه الآيات – كالسورة - تنبئ عن وهلة المفاجأة بهذا القرآن للجن ، مفاجأة أطارت تماسكهم ، وزلزلت قلوبهم ، وهزت مشاعرهم ، وأطلقت في كيانهم دفعة عنيفة من التأثر امتلأ بها كيانهم كله وفاض ، فانطلقوا إلى قومهم بنفوس محتشدة مملوءة ، فائضة بما لا تملك له دفعا ، ولا تملك عليه صبرا ، قبل أن تفيضه على الآخرين في هذا الأسلوب المتدفق ، النابض بالحرارة والانفعال ، وبالجد والاحتفال في نفس الأوان ، وهي حالة من يفاجأ أول مرة بدفعة قوية ترج كيانه ، وتخلخل تماسكه ، وتدفعه دفعا إلى نقل ما يحسه إلى نفوس الآخرين في حماسة واندفاع ، وفي جد كذلك واحتفال !
( إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً ) فأول ما بدههم منه أنه « عجب » غير مألوف ، وأنه يثير الدهش في القلوب ، وهذه صفة القرآن عند من يتلقاه بحس واع وقلب مفتوح ، ومشاعر مرهفة ، وذوق ذواق.. عجب ! ذو سلطان متسلط ، وذو جاذبية غلابة ، وذو إيقاع يلمس المشاعر ويهز أوتار القلوب .. عجب ! فعلا ، يدل على أن أولئك النفر من الجن كانوا حقيقة يتذوقون ! « يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ » .. وهذه هي الصفة الثانية البارزة كذلك في هذا القرآن ، والتي أحسها النفر من الجن ، حين وجدوا حقيقتها في قلوبهم .. وكلمة الرَشَد في ذاتها ذات دلالة واسعة المدى ، فهو يهدي إلى الهدى والحق والصواب ، ولكن كلمة الرشد تلقي ظلا آخر وراء هذا كله . ظل النضوج والاستواء والمعرفة الرشيدة للهدى والحق والصواب .
ظل الإدراك الذاتي البصير لهذه الحقائق والمقومات ، فهو ينشئ حالة ذاتية في النفس تهتدي بها إلى الخير والصواب .
والقرآن يهدي إلى الرشد بما ينشئه في القلب من تفتح وحساسية ، وإدراك ومعرفة ، واتصال بمصدر النور والهدى ، واتساق مع النواميس الإلهية الكبرى ، كما يهدي إلى الرشد بمنهجه التنظيمي للحياة وتصريفها .
هذا المنهج الذي لم تبلغ البشرية في تاريخها كله ، في ظل حضارة من الحضارات ، أو نظام من الأنظمة ، ما بلغته في ظله أفرادا وجماعات ، قلوبا ومجتمعات ، أخلاقا فردية ومعاملات اجتماعية .. على السواء .
( فَآمَنَّا بِهِ )... وهي الاستجابة الطبيعية المستقيمة لسماع القرآن ، وإدراك طبيعته ، والتأثر بحقيقته .. يعرضها الوحي على المشركين الذين كانوا يسمعون هذا القرآن ثم لا يؤمنون ، وفي الوقت ذاته ينسبونه إلى الجن ، فيقولون : كاهن أو شاعر أو مجنون .. وكلها صفات للجن فيها تأثير ، وهؤلاء هم الجن مبهورين بالقرآن ، مسحورين متأثرين أشد التأثر ، منفعلين أشد الانفعال ، لا يملكون أنفسهم من الهزة التي ترج كيانهم رجا.. ثم يعرفون الحق ، فيستجيبون له مذعنين معلنين هذا الإذعان : ( فَآمَنَّا بِهِ ) غير منكرين لما مس نفوسهم منه ولا معاندين ، كما كان المشركون يفعلون ! ( وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً ) .
فهو الإيمان الخالص الصريح الصحيح ، غير مشوب بشرك ، ولا ملتبس بوهم ، ولا ممتزج بخرافة ، الإيمان الذي ينبعث من إدراك حقيقة القرآن ، والحقيقة التي يدعو إليها القرآن ، حقيقة التوحيد لله بلا شريك " انتهى من " في ظلال القرآن " (6/ 3726) .
وهكذا نجا هذا النفر من الجن حين استجابوا لصوت عميق في عقولهم وقلوبهم ، يسألهم عن سبب رفض الإيمان بخاتم الأنبياء ، الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق ، وليدعو الناس إلى توحيد الله سبحانه ، والإيمان بجميع الرسل والأنبياء من قبل ، رغم أن هذا الصوت كان يقوى تارة في لحظات صفاء النفس وهدأتها ، ويضعف أخرى حين تنغمس في غياهب الحياة الدنيا ، ولكنهم نجحوا في الاختبار ، واستحقوا أن يخلد الله عز وجل ذكرهم في القرآن الكريم .
وقد سبق في موقعنا التوسع في الحديث عن كثير من تفاصيل عالم الجن ، يمكن مراجعتها في الفتاوى الآتية :
عالم الجن (2340)، (13378)، (20666) .
هل يقرأ الجن القرآن (166892) .
هل للجن قدرة على التشكل (157606) .
القرين من الجن (149459) .
هل بعث من الجن رسل (140629) .
الفرق بين الجن والشيطان (108679) .
هل إبليس أب للجن كلهم (102373) .
هل يمكن أن نرى الجن (40703) .
لكل إنسان قرين (26226) .
تشك أن الجن يسرق شيئا من متاع البيت (101681) .
كيف نحمي أنفسنا من الجن (10513) .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا