191484: أخذ وديعتها واعتبره خلعاً فهل يصح ؟


السؤال :
أخت مبتلاة بسحر كان يمنعنها من الزواج ، بعد ذلك تقدم لها أخ آخر قال لها : أنا أرقيك ، ولكن بعد الزواج بدأت تتعب بكثرة الوسواس ، فكثرت المشاكل بينهما حتى قالت له مرة : ربما يفضل بي الخلع ، ثم انقضت المشكلة وتجاوزاها ، واستمرت المشاكل ، علما أنها قائمة بواجباتها والحمد لله تصلي ، وتصوم ، وتقوم الليل ، ولا تخرج من البيت مطلقا ، ولكنها بالنسبة لزوجها ناشز وغير مطيعة , وبعد فترة جاءها زوجها وقال لها : أذهب بك لبيتكم تزوري أمك ، علما أنهما من بلدين متباعدين , وبعد أن عاد بها عاد لبلده ، واتصل بأختها وقال لها : قد قبلت خلع أختك علما أنها والله لم تخلعه ، ولم تفكر أصلا في الابتعاد عنه ، ورفض إرجاع مالها الذي تركته عنده واستأمنته عليه ، مدعيا أنه حقه من الخلع .


فما نصيحتك له ؟ وهل يعتبر هذا خلعا ؟
الأخت الآن لا تعلم ما حكمها ؟ علما أنها تقسم أنها والله لم تنو حتى نية الخلع ، وهي تستغفر الله من كل خطأ أخطأته في حق زوجها ، موقنة أن الكثير من ذلك كرفع الصوت وايذاء الرجل كان غصبا عنها بسبب الجان الذي معها .

الجواب :
الحمد لله
أولاً :
الواجب على كل من الزوجين معاملة الآخر بالمعروف ، كما قال تعالى : ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) النساء/19 ، وقال : ( وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) سورة البقرة/228.
ويجب على الزوجة خاصة أن تطيع زوجها وأن تمتثل أمره ولا تعصه ولا تماطل في حقوقه لعظم حقه عليها وإلا كانت آثمة.

لكن المرأة قد تُعذر في بعض تقصيرها ، أو شيء من نشوزها إذا كانت مغلوبة على ذلك بأثر سحر أو مرض ، أو نحو ذلك ؛ فلا تأثم بما غلبت عليه ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وإن كان هذا لا يعني سقوط حق الزوج في الطاعة ، أو حقوقه عليها بصفة عامة .

ثانيا :
وأما قول الزوجة : " ربما يفضل بي الخلع " فهذا إخبار ؛ بأن الخلع هو الأنسب للخلاص من الخلافات لا أنها أوجبته .
ولو سلمنا أنها طلبت الخلع بلفظه الصريح ، إلا أن الزوج لم يجبها بالقبول في المجلس لم يصح الخلع ؛ لأن شروط صحة الخلع عند الأئمة الأربعة اتحاد المجلس، فإن تراخى عنه لم يصح الخلع .
جاء في " الموسوعة الفقهية " (1/209) : " المذاهب الأربعة على أن الزوج لو خالع امرأته ، فإن القبول يقتصر على المجلس .. " انتهى .
وقد ذكر الدكتور وهبة الزحيلي ـ وفقه الله ـ أركان الخلع عند الجمهور العلماء التي لا يصح الخلع إلا بها فقال:
الأول: أن يصدر الإيجاب من الزوج أو وكيله ، أو وليه إن كان صغيراً أو سفيهاً غير رشيد .
الثاني : أن يكون ملك المتعة قائماً حتى يمكن إزالته ، وذلك بقيام الزوجية حقيقة ، أو حكماً كما هو حال المطلقة رجعياً ولا تزال في العدة ..
الثالث : البدل من جانب الزوجة أو غيرها ..
الرابع : الصيغة : وهي لفظ الخلع أو ما في معناه مما ذكر كالإبراء والمبارأة والفداء والافتداء، سواء أكان صريحاً أم كناية ، فلا بد من صيغة معينة ومن لفظ الزوج ، ولا يحصل بمجرد بذل المال ؛ لأن الخلع الشرعي له آثار تختلف عن آثار الطلاق على مال ، ولأنه تصرف في البضع ( الاستمتاع بالمرأة ) بعوض ، فلم يصح بدون اللفظ كالنكاح والطلاق .
الخامس : قبول الزوجة : لأن الخلع من جانبها معاوضة ، وكل معاوضة يلزم فيها قبول دافع العوض ، ويلزم تحقق القبول في مجلس الإيجاب أو مجلس العلم به ، فإذا قامت الزوجة من المجلس بعد سماع كلمة المخالعة ، أو بعد ما علمت بها من طريق الكتابة ، فلا يصح قبولها بعدئذ .
ويشترط توافق القبول والإيجاب ، فإن قال الزوج : طلقتك بألف ، فقالت: بثمانمائة ، أو قال: طلقتك ثلاثاً بألف، فقبلت طلقة واحدة بثلث ألف، لم ينعقد الخلع ويعد لغواً ، وكذا يعد لغواً عند الشافعية : إن قال: طلقتك بألف، فقالت: قبلت بألفين؛ لأنه يشترط عنده التطابق أو التوافق التام بين الإيجاب والقبول.
.. وقد اعتبر الحنفية ركن الخلع هو الإيجاب والقبول ؛ لأنه عقد على الطلاق بعوض، فلا تقع الفرقة ولا يستحق العوض بدون القبول " انتهى من " الفقه الإسلامي وأدلته "(9/457) .

وبناء على ما سبق : فإن ما ادعاه الزوج من الخلع غير صحيح ؛ وعليه أن يتقي الله تعالى في زوجته وأن يرد عليها وديعتها ؛ لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ..) سورة النساء/29 .
وليعلم أن أكل أموال الناس بالباطل كبيرة من كبائر الذنوب توجب سخط الله ومقته ، فحري بالمسلم أن يتجنب ما يسخط الله عنه .
وقد أمر الله عباده أن يؤدوا الأمانات إلى أصحابها ؛ فقال : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ) النساء/58 .
ونهى عن تضييعها وخيانتها ، فقال : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) الأنفال /27 .
وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن خيانة الأمانة هي من صفات النفاق ، التي لا تليق بمسلم يتقي ربه :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ ) رواه البخاري (33) ومسلم (59) .

ثالثا :
إذا أدى الزوج لامرأته أمانته التي أودعتها عنده ، ثم رغب عنها ، ولم يعد يحتمل العيش معها ؛ فله أن يطلقها ، وقد قال تعالى : ( وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا ) سورة النساء/130.
وإن كان الأولى والأفضل أن يصبر عليها ويعالجها ، ما دام هو قد علم حالها من أول الأمر ، ويصدقها فيما تدعيه من أن ذلك خارج عن طوقها ، فليحتسب الأجر عند الله في الصبر عليها ، والإحسان إليها ؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم : ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) رواه الترمذي(3895) .

وليس له أن يضيق عليها حتى تفتدي نفسها منه بمالها ، ما دام قد تزوجها وهو على بينة من مرضها ، ومعرفة بحالها .
وقد قال الله تعالى: ( وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ) النساء/20-21 .
وقال تعالى : ( وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ) سورة النساء/19 .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " هذا في الرجل تكون له المرأة وهو كاره لصحبتها ولها عليه مهر فيضارّها لتفتدي وتردّ إليه ما ساق إليها من المهر، فنهى الله تعالى عن ذلك ، ثم قال: إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ فحينئذ يحل لكم إضرارهنّ ليفتدين منكم " انتهى من " معالم التنزيل " للإمام البغوي " (2/186) .

قال ابن قدامة رحمه الله : " ومن شرط ثبوت الخيار [ الفسخ ] بهذه العيوب , أن لا يكون عالماً بها وقت العقد , ولا يرضى بها بعده , فإن علم بها في العقد , أو بعده فرضي , فلا خيار له . لا نعلم فيه خلافاً ; لأنه رضي به , فأشبه مشتري المعيب " انتهى من "المغني"(7/143)
وقال أيضاً : " إذا علم بالعيب وقت العقد , أو بعده ثم وجد منه رضا , أو دلالة عليه , كالدخول بالمرأة , أو تمكينها إياه من الوطء , لم يثبت له الفسخ ; لأنه رضي بإسقاط حقه فسقط , كما لو علم المشتري بالعيب فرضيه .." انتهى من " المغني " (7/144).

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا