الأحد 29 صفر 1436 - 21 ديسمبر 2014

191976: لا يشرع الدعاء بالصبر إلا بعد وقوع بلاء أو حصول مصيبة .


السؤال :
ما حكم الدعاء بالصبر؟ فقد سمعت أناسا يحذّرون من ذلك ، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول : " اللهم إني أسألك الصبر .، قال: ( سألت الله البلاء ، فاسأله العافية ). هذا الحديث في بعض المنتديات، ويُعزى إلى جامع الترمذي برقم (3527) . فأريد أن أفهم توجيه هذا الحديث ، وكيف نوفّق بينه وبين الآيات المنتشرة في كتاب الله والتي تحث على الصبر ، أرجو توضيح ذلك مع الدليل ، فإن أناسا سمعوني أدعو لابني بالصبر لأنه سريع الغضب ، فحذروني من ذلك ..!

الجواب :
الحمد لله
أولا :
الحديث المذكور رواه الترمذي (3527) من طريق أَبِي الْوَرْدِ عَنْ اللَّجْلَاجِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : " سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الصَّبْرَ ، فَقَالَ : ( سَأَلْتَ اللَّهَ الْبَلَاءَ فَسَلْهُ الْعَافِيَةَ ) .
وهو حديث ضعيف ، ذكره الألباني في "الضعيفة" (4520) وقال : " هذا إسناد فيه ضعف ؛ أبو الورد : هو ابن ثمامة بن حزن القشيري ؛ لم يوثقه أحد ، وقال الحافظ : "مقبول" يعني : عند المتابعة " انتهى .
قال القاري رحمه الله :
" محل هذا إنما هو قبل وقوع البلاء ، وأما بعده فلا مانع من سؤال الصبر بل يستحب ؛ لقوله تعالى : ( ربنا أفرغ علينا صبرا ) " انتهى من "مرقاة المفاتيح" (8 /324) .

وحاصل ذلك أن طلب الصبر إنما يكون بعد وقوع بلاء ، أو حصول مصيبة ، أو نحو ذلك مما يحتاج العبد فيه إلى الصبر ، فحينئذ يشرع له أن يسأل الله الصبر ، قال تعالى : ( وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ) البقرة/ 250، 251 .
وقال تعالى عن سحرة فرعون : ( قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ * وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ ) الأعراف/ 125، 126 .
وأما في حال العافية : فالمناسب أن يسأل الله أن يتم عليه نعمته وعافيته وستره .

ثانيا :
لا حرج ، إن شاء الله ، في أن يدعو الإنسان ربه بالصبر ، مقيدا بنزول البلاء إذا نزل ، أو حصول ما يستلزمه ، وهذا من طبيعة الإنسان في حياته : ألا يخلو من ابتلاء ، يحتاج معه إلى صبر ودعاء ، ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم : ( اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي ، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى ، وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ ) .
رواه النسائي (1305) وصححه الألباني في " صحيح الجامع " برقم (1301) .
فقد دعا الله تعالى بأن يرزقه الرضا بعد القضاء ، ومن الواضح أنه إنما يعني : القضاء الذي يكرهه الإنسان ، وإلا فكل الناس يرضى بما يحبه ويلائمه ؛ ولا يلزم من ذلك أن يكون دعاء بحصول القضاء المكروه ، كما لم يلزم من الدعاء الآخر ـ في نفس الحديث ـ أن يكون دعاء بحصول الفقر ، أو الموت .

ثالثا :
حال الولد سريع الغضب مما يناسبه الدعاء بالصبر ، فسريع الغضب يستفزه أيسر عارض ، ويجزع عند أول نازل ، ولا شك أنه أحوج الناس إلى الدعاء بسعة الصدر ، والصبر ، وقلة الجزع ، وحسن الخلق ؛ فليس هذا من الدعاء بالبلاء ، أو استعجاله ، وإنما هو دعاء بما هو أنفع الأدوية له مما ابتلي به .

وينظر للفائدة إجابة السؤال رقم (120175) .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا