الأربعاء 4 صفر 1436 - 26 نوفمبر 2014
en

20243: كيف نحيّي أهل العلم والفضل ؟


هل من الممكن تقبيل يد قادة العالم الإسلامي ؟ أو أن نركع احتراماً لهم ؟ وما هي الطريقة الصحيحة لتحيَّتِهم ، نحن نعتقد أن الطريقة هي العناق والمصافحة للرجال .

الحمد لله

أولاً :

الطريقة الصحيحة لتحية أهل العلم هي السلام والمصافحة ، وقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة ، ويمكن تقبيل رأسه ويده أحياناً ، ولكن لا يتخذ ذلك عادة وخاصة إذا كان بدلاً عن المصافحة .

وأما المعانقة فتجوز عند القدوم من السفر أو طول الغياب أو للتعبير عن شدة الحب في الله ونحو ذلك .

روى مسلم (54) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا ، وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا ، أَوَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ ) .

وعن قتادة قال : قلت لأنس أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال : نعم . رواه البخاري ( 5908 ) .

وعن أنس قال : كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا تلاقوا تصافحوا ، وإذا قدموا من سفر تعانقوا . رواه الطبراني في " الأوسط " ( 1 / 37 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 2647 ) .

وعن عون بن أبي جحيفة عن أبيه قال : لما قدم جعفر من هجرة الحبشة تلقَّاه النبي صلى الله عليه وسلم فعانقه وقبَّل ما بين عينيه . رواه الطبراني في " الكبير " ( 2 / 108 ) ، وله شواهد كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في " التلخيص الحبير " ( 4 / 96 ) ، وصححه الشيخ الألباني في " السلسلة الصحيحة " ( 2657 ) .

وعن أسامة بن شريك قال : قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبَّلنا يده . رواه أبو بكر بن المقري في جزء " تقبيل اليد " ( ص 58 ) . قال الحافظ ابن حجر : سنده قوي . " فتح الباري " ( 11 / 56 ) .

قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني :

قلت : وفي ذلك من الفقه تفريق الصحابة بين الحضر والسفر في أدب التلاقي ، ففي الحالة الأولى : المصافحة ، وفي الحالة الأخرى : المعانقة ، ولهذا كنت أتحرج من المعانقة في الحضر ، وبخاصة أنني كنت خرجت في المجلد الأول من هذه " السلسلة " ( رقم 160 ) حديث نهيه صلى الله عليه وسلم عن الانحناء والالتزام والتقبيل ، ثم لما جهزت المجلد لإعادة طبعه ، وأعدت النظر في الحديث ، تبين لي أن جملة " الالتزام " ليس لها ذكر في المتابعات أو الشواهد التي بها كنت قوَّيت الحديث ، فحذفتُها منه كما سيرى في الطبعة الجديدة من المجلد إن شاء الله ، وقد صدر حديثاً والحمد لله .

فلما تبين لي ضعفها زال الحرج والحمد لله ، وبخاصة حين رأيت التزام ابن التيِّهان الأنصاري للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث خروجه صلى الله عليه وسلم إلى منزله رضي الله عنه الثابت في " الشمائل المحمدية " ( رقم 113 ص 79 - مختصر الشمائل ) ، ولكن هذا إنما يدل على الجواز أحياناً ، وليس على الالتزام والمداومة كما لو كان سنَّة ، كما هو الحال في المصافحة ، فتنبه .

وقد رأيت للإمام البغوي رحمه الله كلاماً جيِّداً في التفريق المذكور وغيره ، فرأيت من تمام الفائدة أن أذكره هنا ، قال رحمه الله في " شرح السنَّة " ( 12 / 293 ) - بعد أن ذكر حديث جعفر وغيره مما ظاهره الاختلاف - :

" فأما المكروه من المعانقة والتقبيل : فما كان على وجه المَلَقِ ( الزيادة في التَّوُّدد ) ، والتعظيم ، وفي الحضر ، فأما المأذون فيه فعند التوديع وعند القدوم من السفر ، وطول العهد بالصاحب وشدَّة الحب في الله ، ومن قبل فلا يقبل الفم ، ولكن اليد والرأس والجبهة .

وإنما كره ذلك في الحضر فيما يرى ؛ لأنه يكثر ولا يستوجبه كلّ أحد ، فإن فعله الرجل ببعض الناس دون بعض : وجد عليه الذين تركهم ، وظنّوا أنه قصّر بحقوقهم ، وآثر عليهم ، وتمام التحيّة المصافحة . انتهى

واعلم أنه قد ذهب بعض الأئمة كأبي حنيفة وصاحبه محمد إلى كراهية المعانقة ، حكاه عنهما الطحاوي خلافاً لأبي يوسف .

ومنهم الإمام مالك ، ففي " الآداب الشرعية " ( 2 / 278 ) :

" وكره مالك معانقة القادم من سفر ، وقال : بدعة ، واعتذر عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بجعفر حين قدم ، بأنه خاص له فقال له سفيان : ما تخصّه بغير دليل ، فسكت مالك ، قال القاضي : وسكوته دليل لتسليم قول سفيان وموافقته ، وهو الصواب حتى يقوم دليل التخصيص" .

هذا وقد تقدّم في كلام الإمام البغوي قوله بأنه لا يقبّل الفم ، وبيَّن وجه ذلك الشيخ ابن مفلح في " الآداب الشرعية " ، فقال ( 2 / 275 ) :

" ويكره تقبيل الفم ، لأنّه قلّ أن يقع كرامة " .

ويبدو لي وجه آخر ، وهو أنه لم يروَ عن السلف ، ولو كان خيراً لسبقونا إليه ، وما أحسن ما قيل :

وكلّ خيرٍ في اتَّباع من سلف * وكّل شرٍّ في ابتداع من خلف . " السلسلة الصحيحة " المجلد السادس القسم الأول ( 305 – 307 ) .

وقال الشيخ – أيضاً - :

… وأما تقبيل اليد : ففي الباب أحاديث وآثار كثيرة ، يدل مجموعها على ثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف ، فنرى جواز تقبيل يد العالِم إذا توفرت الشروط الآتية :

1. أن لا يُتخذ عادة بحيث يتطبع العالِم على مدِّ يده إلى تلامذته ، ويتطبع هؤلاء على التبرك بذلك ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن قُبِّلت يدُه فإنما كان ذلك على الندرة ، وما كان كذلك فلا يجوز أن يُجعل سنَّة مستمرة ، كما هو معلوم من القواعد الفقهية .

2. أن لا يدعو ذلك إلى تكبر العالِم على غيره ورؤيته لنفسه ، كما هو الواقع مع المشايخ اليوم .

3. أن لا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنَّة معلومة ، كسنَّة المصافحة ، فإنها مشروعة بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله ، وهي سبب شرعي لتساقط ذنوب المتصافحين ، كما روي في غير ما حديث واحد ، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمرٍ أحسن أحواله أنه جائز . " السلسلة الصحيحة " ( 1 / 302 ) .

ثانياً :

وأما الركوع والانحناء فلا يحل عند ملاقاة أحد لا عند عالِم ولا غيره .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية :

وأما الانحناء عند التحية : فينهى عنه كما في الترمذي عن النبي صلى الله عليه وسلم " أنهم سألوه عن الرجل يلقى أخاه ينحنى له ؟ قال : لا " ؛ ولأن الركوع والسجود لا يجوز فعله إلا لله عز وجل وإن كان هذا على وجه التحية في غير شريعتنا كما في قصة يوسف ( وخروا له سجَّداً وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل ) وفي شريعتنا لا يصلح السجود إلا لله ، بل قد تقدم نهيه عن القيام كما يفعله الأعاجم بعضها لبعض فكيف بالركوع والسجود ؟ وكذلك ما هو ركوع ناقص يدخل في النهي عنه . [ والمراد بالركوع الناقص الانحناء الذي لا يبلغ حد الركوع ] " مجموع الفتاوى " ( 1 / 377 ) .

وقال :

وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم أو تقبيل الأرض ونحو ذلك : فإنه مما لا نزاع فيه بين الأئمة في النهى عنه ، بل مجرد الانحناء بالظهر لغير الله عز وجل منهي عنه ، ففي المسند وغيره أن معاذ بن جبل رضى الله عنه لما رجع من الشام سجد للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال : ما هذا يا معاذ ؟ فقال : يا رسول الله رأيتهم في الشام يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم ويذكرون ذلك عن أنبيائهم ، فقال : كذبوا يا معاذ لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها ، يا معاذ أرأيتَ إن مررت بقبري أكنتَ ساجداً ؟ قال : لا ، قال : لا تفعل هذا " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم …

وبالجملة : فالقيام والقعود والركوع والسجود حق للواحد المعبود خالق السموات والأرض وما كان حقّاً خالِصاً لله لم يكن لغيره فيه نصيب مثل الحلف بغير الله عز وجل . " مجموع الفتاوى " ( 27 / 92 ، 93 ) .

وقال علماء اللجنة الدائمة :

لا يجوز الانحناء عند السلام و لا خلع النعلين له .

وقالوا :

لا يجوز الانحناء تحيةً للمسلم ولا للكافر ، لا بالجزء الأعلى من البدن ولا بالرأس ؛ لأن الانحناء تحية عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله وحده .

بن قعود " فتاوى اللجنة الدائمة " ( 1 / 233 ، 234 ) .

والله أعلم.

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا