الاثنين 26 ذو الحجة 1435 - 20 أكتوبر 2014

2076: خناقة بين زوجين


السؤال:
في الأسبوع الماضي حدث موقف بيني وبين زوجتي وابنتها التي تبلغ من العمر الآن 20 عاماً وعندها طفل ولكنها لا تزال تقيم معنا في البيت. وقد قلت لزوجتي شيئاً أغضبها مني فأفحشت لي القول وجهلت علي وسلكت معي مسلكاً فظاً وكان كل ما فعلته أن أمسكت وجهها بيدي وضغطت عليه بخفة وبدأت في الضحك. ولم أشعر إلا وهي تضربني وتركلني فأمسكت بها بحيث لا تتمكن من ضربي على وجهي وعندئذ تدخلت ابنتها وبدأت تضربني على رأسي. فتمالكت نفسي ولم أغضب. وبعد ذلك استدعت ابنتها الشرطة فحضروا واستجوبوا الجميع وحرروا محضراً. ولم تبد زوجتي أي أسف حول سلوك ابنتها وتصرفت كما لو أنه يجوز لابنتها أن تتصرف بهذا الأسلوب. وأنا لا أقيم حالياً في نفس البيت معهما، والحقيقة أنني لا أريد أن أعود ولكني في الواقع أهتم كثيراً بزوجتي وأجاهد في سبيل أن أحيا معها بالأسلوب الذي حدده لنا القرآن والسنة. وهي لا تصغي إلى القرآن والسنة إلا عندما يكون قلبها خالياً من الغضب . وقد أضعف هذا  الموقف عزيمتي . إن كل ما أسعى إليه هو أن أحيا طبقاً لتعاليم الإسلام الحقة . أرجو مساعدتي في هذا الموضوع والسلام عليكم .

الجواب:
الحمد لله
مما ينبغي أن يعلم أن من أهم الأسباب التي ينتج عنها وجود المشكلات بين الزوجين والتي قد تتطور حتى تصل إلى حال سيئة جداً ؛ عدم معرفة حقّ كل واحد من الزوجين على الآخر .
وقد جاء الإسلام بتقرير هذه الحقوق وإلزام كل من الزوجين بها وحثهما عليها كما قال تعالى : (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ) ، فنصت الآية على أن كل حق لأحد الزوجين يقابله واجب على الآخر يؤديه إليه ، وبهذا يحصل التوازن بينهما من كافة النواحي مما يدعم استقرار حياة الأسرة ، واستقامة أمورها ، قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية : أي : لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن أزواجهن " ، وقال ابن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم ، وقال القرطبي : الآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية .
فمن تلك الحقوق : غض الطرف عن الهفوات والأخطاء :  وخاصة التي لم يقصد منها السوء في الأقوال والأعمال وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " رواه الترمذي 2501 صحيح الجامع 4/171 .
فعلى كل من الزوج والزوجة أن يحتمل صاحبه فلكل إنسان زلة ، وأحق الناس بالاحتمال من كان كثير الاحتكاك بمن يعاشر . وعلى كل طرف ألا يقابل انفعال الآخر بمثله ، فإذا رأى أحد الزوجين صاحبه منفعلاً بحدة فعليه أن يكظم غيظه ولا يرد الانفعال مباشرة ، ولذا قال أبو الدرداء رضي الله عنه لزوجته : إذا رأيتني غضبت فرضني وإذا رأيتك غضبى رضيتك وإلا لم نصطحب . وتزوج إمام أهل السنة الإمام أحمد رحمه الله عباسة بنت المفضّل أم ولده صالح ، فكان يقول في حقها : " أقامت أم صالح معي عشرين سنة ، فما اختلفت أنا وهي في كلمة " .
ومن أعظم الحقوق أن ينصح كل منهما قرينه بطاعة الله عز وجل وقد جاء في الحديث الصحيح أن نفراً من الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : لو علمنا أي المال خير فنتخذه ؟ فقال صلى الله عليه وسلم  : " أفضله لسان ذاكر وقلب شاكر وزوجة مؤمنة تعينه على إيمانه " رواه أحمد 5/278 والترمذي 3039 صحيح الجامع 5231 .
ثم لا ينبغي للرجل أن يبغض زوجه إذا رأى منها ما يكره لأنه إن كره منها خلقاً رضي الآخر فيقابل هذا بذاك ، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه قال : " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها غيره "  رواه مسلم 36 . وعن سمرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : " إن المرأة خلقت من ضلع وإنك إن ترد إقامة الضلع تكسرها فدارها تعش بها " رواه أحمد 5/8 وابن حبان 1308 صحيح الجامع 2/163 .
ومن أعظم ما يعين على صفاء العيش بين الزوجين حسن الخلق ، ولذا رفع الإسلام من شأنه ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم  قد بلغ النهاية والكمال في حسن تعامله وخلقه ، وجاء من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : " ما من شيء يوضع في الميزان أثقل من حسن الخلق ، وإن صاحب الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة " رواه الترمذي 2003 وأبوداود 4799 ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : " أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم " رواه الترمذي 1/217 وأحمد 2/250 السلسلة الصحيحة 284.
ومن المعاشرة بالمعروف : التغاضي وعدم تعقب الأمور صغيرها وكبيرها وعدم التوبيخ والتعنيف في كل شيء إلا في حقوق الله عز وجل ، وذلك ما يرشدنا إليه قوله تعالى : ( وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً ) .
فإن عصت المرأة زوجها ونشزت عن طاعته فله أن يؤدبها التأديب الشرعي قال تعالى : ( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله به بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون تشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً إن الله كان عليا كبيراً ) فأفادت الآية أن للزوج الحق في تأديب زوجته عند عصيانها أمره ونشوزها عليه تأديباً يراعى فيه التدرج الذي قد يصل إلى الضرب بشروطه ، قال القرطبي رحمه الله : " اعلم أن الله عز وجل لم يأمر في شيء من كتابه بالضرب صراحاً إلا هنا وفي الحدود العظام فساوى معصيتهن أزواجهن بمعصية الكبائر وولى الأزواج ذلك دون الأئمة وجعلَه لهم دون القضاة بغير شهود ولا بينات ائتماناً من الله تعالى للأزواج على النساء " .والنشوز في الآية بمعنى العصيان ، أي : اللاتي تخافون عصيانهن وتعاليهن عما أوجب الله عليهن من طاعة الأزواج فجعل الله للتأديب مراتب :
المرتبة الأولى : الوعظ بلا هجر ولا ضرب فتذكر المرأة ما أوجب الله عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة للزوج فإن لم ينفع الوعظ والتذكير بالرفق واللين انتقل إلى :
المرتبة الثانية : وهي الهجر في المضجع وذلك بأن يوليها ظهره في المضجع أو ينفرد عنها بالفراش لكن لا ينبغي له أن يبالغ في الهجر أكثر من أربعة أشهر وهي المدة التي ضرب الله أجلاً للمولي ، كما ينبغي له أن يقصد من الهجر التأديب والاستصلاح لا التشفي والانتقام .
المرتبة الثالثة : وهي الضرب غير المبرح لقوله : ( واضربوهن ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : اهجرها في المضجع فإن أقبلَت وإلا فقد أذن الله لك أن تضربها ضرباً غير مبرح ، وعلى الزوج أن يراعي أن المقصود من الضرب العلاج والتأديب والزجر لا غير فيراعي التخفيف فيه على أبلغ الوجوه وهذا يتحقق باللكزة ونحوها قال عطاء : قلت لابن عباس : ما الضرب غير المبرّح ؟ قال : السواك ونحوه ( أي الضّرب بالسواك ) .
وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال في وصيته لأمته : " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله وإن لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح . " حديث صحيح ،  ويجب على الزوج أن يجتنب المواضع المخوفة كالرأس والبطن وكذا الوجه فإن النبي صلى الله عليه وسلم  نهى عن ضرب الوجه نهياً عاماً ، وفي حديث معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال : قلت : يارسول الله ، ما حق زوجة أحدنا علينا ؟ قال : " أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تقبح الوجه ولا تضرب " أي : لا تضرب الوجه . رواه أبوداود 2/244 وابن ماجه 1850 وأحمد 4/446 .
فإذا ارتدعت ، وتركت النشوز ، فلا يجوز بحال أن يتمادى في عقوبتها أو يتجنى عليها بقول أو فعل كما قال تعالى : ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلاً ) .
وفيما يتعلق بخصوص مشكلتك وإن لم نعلم تفاصيلها والسبب الذي دعاك إلى ضرب زوجك ، ومن ثم اعتدائها عليك هي وابنتها ، لكن فهمنا أنّك الذي ابتدأت بإثارة المشكلة ، وأنك الذي ابتدأت بالضّرب ثمّ أغظتها بالضّحك ، ثم توالت الأخطاء منها ومن ابنتها ، والذي ننصحك به أن تردّ زوجتك إليك وترجعان معا في مسكن واحد وعليك أن تناصح زوجتك وتعترف لها بما أخطأت عليها ، ثمّ تبيّن لها عظم ما فعلتْه من عصيانك وعدم طاعتك والقيام بالردّ عليك بالضّرب وتجريء ابنتها عليك كما ذكرت ، وينبغي تفهيم البنت أنها ضيفة عند زوج أمها وينبغي أن تحترم من آواها في بيته وأحسن إليها ، وإذا كان وجودها يزيد الأمور تعقيدا ويثير المشكلات ويُفاقمها فعليك بالتفاهم معهما لتخرج البنت في مسكن مستقلّ ، واستعن بالله واصبر وخالق زوجتك بخلق حسن ، نسأل الله أن يُصلح شأنكما ويؤلّف بين قلبكما ، وصلى الله على نبينا محمد .
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
أضف تعليقا