21577: أحكام العارية


ما معنى العارية ؟ وما هي أحكامها ؟.

الحمد لله

قد عرف الفقهاء رحمهم الله العارية بأنها إباحة نفع عين يباح الانتفاع بها وتبقى بعد استيفاء المنفعة ليردها إلى مالكها .

فخرج بهذا التعريف ما لا يباح الانتفاع به إلا مع تلف عينه ؛ كالأطعمة والأشربة  .

والعارية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع :

قال تعالى : ( ويمنعون الماعون ) أي : المتاع يتعاطاه الناس بينهم , فذم الذين يمنعونه ممن يحتاج إلى استعارته , وقد استدل بهذه الآية الكريمة من يرى وجوب الإعارة , وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إذا كان المالك غنيا .

واستعار النبي صلى الله عليه وسلم فرساً لأبي طلحة , واستعار صلى الله عليه وسلم من صفوان بن أمية أدراعاً .

وبذل العارية للمحتاج إليها قربة ينال بها المعير ثوابا جزيلاً ؛ لأنها تدخل في عموم التعاون على البر والتقوى .

ويشترط لصحة الإعارة أربعة شروط :

أحدها : أهلية المعير للتبرع ؛ لأن الإعارة فيها نوع من التبرع ؛ فلا تصح من صغير ولا مجنون ولا سفيه .

الشرط الثاني : أهلية المستعير للتبرع له : بأن يصح منه القبول .

الشرط الثالث : كون نفع العين المعارة مباحا : فلا تباح إعارة عبد مسلم لكافر ولا صيد ونحوه لمحرم : لقوله تعالى : ( ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ) .

الشرط الرابع : كون العين المعارة مما يمكن الانتفاع به مع بقائه كما سبق .

وللمعير استرجاع العارية متى شاء إلا إذا ترتب على ذلك الإضرار بالمستعير إذا استرجعت العارية : كما لو أعاره سفينة لحمل متاعه : فليس له الرجوع ما دامت في البحر , وكما لو أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه : فليس له الرجوع في الحائط ما دام عليه أطراف الخشب .

ويجب على المستعير المحافظة على العارية أشد مما يحافظ على ماله ؛ ليردها سليمة إلى صاحبها ؛ لقوله تعالى : ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) ؛ فدلت الآية على وجوب رد الأمانات , ومنها العارية , وقال صلى الله عليه وسلم : ( أد الأمانة إلى من ائتمنك ) ، فدلت النصوص على وجوب المحافظة على ما يؤتمن عليه الإنسان وعلى وجوب رده إلى صاحبه سالما , وتدخل في هذا العموم العارية , لأن المستعير مؤتمن عليها , ومطلوبة منه , وهو إنما أبيح له الانتفاع بها في حدود ما جرى به العرف ؛ فلا يجوز له أن يسرف في استعمالها إسرافا يؤدي إلى تلفها ولا أن يستعملها فيما لا يصلح استعمالها فيه ؛ لأن صاحبها لم يأذن له في ذلك وقد قال تعالى : ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) .

فإن استعمالها في غير ما استعيرت له فتلفت ؛ وجب عليه ضمانها ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) رواه الخمسة , وصححه الحاكم ؛ فدل على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره , ولا يبرأ إلا بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه .

وإن تلفت في انتفاع بها بالمعروف لم يضمنها المستعير ؛ لأن المعير قد أذن له في هذا الاستعمال , وما ترتب على المأذون , فهو غير مضمون .

هذا وقد اختلف العلماء في ضمان المستعير للعارية إذا تلفت في يده في غير ما استعيرت له , فذهب جماعة إلى وجوب ضمانها عليه سواء تعدى أو لم يتعدى ؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم :( على اليد ما أخذت حتى تؤديه ) , وذلك مثل لو ماتت الدابة أو احترق الثوب أو سرقت العين المعارة , وذهب جماعة آخرون إلى عدم ضمانها إذا لم يتعد ؛ لأنها لا تضمن إلا بالتعدي عليها , ولعل هذا القول هو الراجح ؛ لأن المستعير قبضها بإذن مالكها , فكانت أمانة عنده كالوديعة .

على أنه يجب على المستعير المحافظة على العارية والاهتمام بها والمسارعة إلى ردها إلى صاحبها إذا انتهت مهمته منها , وأن لا يتساهل بشأنها , أو يعرضها للتلف ؛ لأنها أمانة عنده , ولأن صاحبها أحسن , و ( هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ) ؟ .

من كتاب الملخص الفقهي للشيخ صالح آل فوزان
أضف تعليقا