46561: البينونة الصغرى والكبرى وطلاق الثلاث


طلقت زوجتي منذ 20 سنة ، وقبل انتهاء العدة راجعتها ؛ بعد سنين عدة عاودت فطلقتها ثانية وقلت لها : أنت طالق ، طالق ، طالق ، وأقصد به الطلاق الثلاث ، إلا أنني وقبل انتهاء العدة أيضا راجعتها ولم أقم بأي إجراء : لا أركان الزواج ولا شيء آخر ، ما هو إلا أن ذهبت إلى بيت أهلها ورددتها إلى بيتي ، إذ كان في اعتقادي أنه طلاق رجعي أيضاً ، في الشهور الأخيرة عاودت فطلقتها للمرة الثالثة ، ندمتُ كثيراً لاعتبارات لا يسع المجال لها ، استفتيت أحد الشيوخ عندنا وأوضحت له القضية فكان جوابه كما يلي : المراجعة بعد الطلاق الأول صحيحة ، أما المراجعة بعد الطلاق الثاني وقبل انتهاء العدة فهي غير صحيحة لأنه طلاق بائن بينونة صغرى ، وكان يجب عليَّ أن أقوم بأعمال أركان الزواج قبل ردها ، وبما أنني لم أقم بهذه الأعمال فالنكاح غير شرعي وهو ملغي ، وعليه فالطلاق الأخير الثالث لا معنى له لأنه واقع في نكاح غير شرعي ، وأجاز لي مراجعة الزوجة بعد القيام بعمل أركان الزواج ، وبما أن القضية كبيرة ، وأنا حائر ، وألتمس اطمئنان القلب : لجأت إلى فضيلتكم لأن لي فيكم ثقة كبيرة ، فأفتوني مأجورين.

الحمد لله
أولاً :
لا يحل لأحدٍ أن يفتي في دين الله تعالى بغير علم ، ومن فعل هذا فقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب ، قال تعالى : (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) الأعراف/ 33 .
والذي أفتاك بعدم صحة الرجعة من طلاقك الثاني ، وبعدم وقوع الطلقة الثالثة وأوجب عليك القيام بأركان النكاح لإرجاع زوجتك لم يصب في قوله ، وهو من القول على الله بغير علم ، فيجب على من أفتاك بهذا – إن صحَّ نقلك عنه – أن يتوب إلى الله ويستغفره ، ويجب عليه أن يكف عن الفتوى ، وبخاصة فيما يتعلق بالأعراض والدماء .
ثانياً :
الطلاق الرجعي هو الذي يملك فيه الزوج الرجعة ، وتكون الرجعة من غير عقد ولا مهر ولا رضا الزوجة ، والطلاق الذي يملك فيه الزوج الرجعة هو الطلاق الأول والثاني قبل انتهاء العدة ، فإذا انتهت العدة من طلقتها الأولى أو الثانية صارت بائنة بينونة صغرى ، لا ترجع لزوجها إلا برضاها وبعقدٍ ومهرٍ جديديْن ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، ودليله قوله تعالى : (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ...) البقرة/229 ، فإن أوقع الطلقة الثالثة لم تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر نكاح رغبة ثم يطلقها أو يموت عنها بعد الدخول بها – وهذه هي البينونة الكبرى - ودليل ذلك قوله تعالى – في الآية التي بعدها - : (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) البقرة/230 .
ثالثاً :
ولو أحسنَّا الظن بذاك القائل وقلنا إنه يرى أن طلاق الثلاث يقع ثلاثاً فإنه لا وجه لقوله إنها بينونة صغرى لأن طلاق الثلاث عند القائلين به يقع ثلاثاً ، وتبين به الزوجة بينونة كبرى . فكيف جاز له أن يقول إنها بينونة صغرى ترجع بعقد ومهر جديدين !
والصحيح أن طلاق الثلاث يقع طلقة واحدة ، وقد بينا ذلك في جواب السؤال رقم (96194).
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : (كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر رضي الله عنه وسنتين من خلافة عمر رضي الله عنه طلاق الثلاث واحدة) .
رواه مسلم ( 1472 ) .
رابعاً :
ما وقع منك من الرجعة بعد الطلقة الأولى والثانية صحيح ، والطلقة الثالثة حرُمت عليك بها زوجتك ، وبانت منك بينونة كبرى ، وهي أجنبية عنك ، ويجب إعطاؤها حقوقها كاملة ، ولا يحل لك تزوجها إلا بعد أن تتزوج هي بآخر نكاح رغبة ويفارقها بموت أو طلاق بعد تحقق الدخول الشرعي بها .
أما نكاح التحليل الذي يفعله بعض الناس فهو نكاح فاسد ، لا تحل به المرأة لزوجها الأول ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله .
وانظر جواب السؤال رقم (109245) .
والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا