الجمعة 7 محرّم 1436 - 31 أكتوبر 2014

47086: رد الأموال المسروقة إلى أصحابها الكفار


بدأت الصلاة مؤخرًا وأسعى إلى التوبة من أعمالي السيئة التي اقترفتها في الماضي . وأعلم أن من شروط التوبة رد المظالم إلى أصحابها المسلمين . فماذا عن غير المسلمين ؟ قالوا لي إن مثلهم رفض الإسلام وبالتالي لا كرامة لهم . فإذا كنت قد سرقت من شخص غير مسلم ، فهل يجب رد الحق إليه علمًا بأني قد أتعرض بسبب هذا إلى مضايقات جنائية من قِبل غير المسلمين ؟ وماذا ينبغي أن أفعل مع هذه الأشياء التي اغتصبتها من غير المسلمين ؟.

الحمد لله

أولاً : نهنئك بمحافظتك على الصلاة وسعيك إلى التوبة ، ونبشرك بأن الله تعالى يقبل توبة من تاب إليه ويغفر ذنبه ، وقد قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( التائب من الذنب كمن لا ذنب له ) رواه الترمذي وحسنه الألباني .

ثانياً : لا شك أن السرقة كبيرة من كبائر الذنوب وقد رتب الله عليها الحد في الدنيا والعقاب الشديد في الآخرة .

قال الله تعالى : ( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ ) المائدة/38 . وقال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ ) . رواه البخاري (6783) ومسلم (1687) .

والسرقة حرام سواء كان المسروق منه مسلماً أم كافراً معصوم الدم والمال ، أما الكافر المحارب للمسلمين فيجوز أخذ ماله ، لأن ذلك في حالة الحرب يعتبر غنيمة ولا يعتبر سرقة .

ثالثاً : أما أخذ أموال الكفار على سبيل الغدر والخيانة فهو محرم ، لأن الغدر محرم في الإسلام سواء مع المسلم أم مع الكافر .

روى البخاري (2583) عن المغيرة بن شعبة أنه كان قد صحب قوماً في الجاهلية ، فقتلهم وأخذ أموالهم ، ثم جاء فأسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أما الإسلام أقبلُ ، وأما المال فلستُ منه في شيء " ، ورواية أبي داود (2765) : " أما الإسلام فقد قبلنا ، وأما المال فإنه مال غدرٍ لا حاجة لنا فيه ) ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود .

قال الحافظ ابن حجر : " قولـه ( وأما المال فلستُ منه في شيءٍ ) أي : لا أتعرض له لكونه أخذه غدراً ، ويستفاد منه : أنه لا يحل أخذ أموال الكفار في حال الأمن غدراً ؛ لأن الرفقة يصطحبون على الأمانة ، والأمانة تؤدَّى إلى أهلها مسلِماً كان أو كافراً ، وأن أموال الكفار إنما تحل بالمحاربة والمغالبة ، ولعل النبي صلى الله عليه وسلم ترك المال في يده لإمكان أن يسلم قومه فيرد إليهم أموالهم . فتح الباري ( 5 / 341 ) .

ومن أمثلة الغدر أن يكون الكافر قد دخل بلاد المسلمين بأمان ، أو دخل المسلم بلاد الكفار بأمان (كالتأشيرة) فإن مقتضى هذه التأشيرة أنهم يؤمنونه على نفسه وماله ، وفي هذه الحال يكونون هم أيضاً في أمان منه على أنفسهم وأموالهم ، فلا يجوز له الاعتداء عليهم أو غصب أموالهم أو سرقتها .

قال الشافعي رحمه الله فيمن دخل بلاد الكفار واستطاع أن يأخذ شيئا من أموالهم : ": وإذا دخل رجل مسلم دار الحرب بأمان .. وقدر على شيء من أموالهم لم يحل له أن يأخذ منه شيئاً قلّ أو كثر؛ لأنه إذا كان منهم في أمان فهم منه في مثله، ...، ولأن المال ممنوع بوجوه : أولها : إسلام صاحبه . والثاني : مال من له ذمة . والثالث : مال من له أمان إلى مدة أمانه". الأم ( 4 / 284 ) .

وقال السرخسي : :" أكره للمسلم المستأمِن إليهم في دينه أن يغدر بهم لأن الغدر حرام . . . فإن غدر بهم وأخذ مالهم وأخرجه إلى دار الإسلام كرهت للمسلم شراءه منه إذا علم ذلك لأنه حصله بكسب خبيث ، وفي الشراء منه إغراء له على مثل هذا السبب وهو مكروه للمسلم ، والأصل فيه حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه . . . ثم ذكر الحديث السابق". المبسوط ( 10 / 96 ) .

فإذا وفق اللهُ المسلمَ للتوبة من أخذ أموال الناس بغير حق ، فمن شروط هذه التوبة إرجاع الحقوق إلى صاحبها وإن كان كافرا، فإن كان هناك خوف من الفضيحة أو مضايقات جنائية في رد الحقوق إلى أهلها فإنه يجوز له أن يبحث عن الطريقة المناسبة التي تحفظ له كرامته ويُرجع فيه الحق لأهله من غير أن يحرج نفسه بأن يرسل له المبلغ بالبريد أو يوكل أحدا بإبلاغه دون أي يذكر اسمه وسرقته وذلك لأنه لا يشرط على من أراد أن يرجع الحقوق لأهلها أن يكشف عن نفسه وهويته ؛ إذ المقصود هو رجوع الحق إلى صاحبه .

قال الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله : "… فإذا سرقتَ من شخصٍ أو من جهة ما سرقة : فإن الواجب عليك أن تتصل بمن سرقت منه وتبلغه وتقول إن عندي لكم كذا وكذا ، ثم يصل الاصطلاح بينكما على ما تصطلحان عليه ، لكن قد يرى الإنسان أن هذا الأمر شاق عليه وأنه لا يمكن أن يذهب – مثلاً – إلى شخص ويقول أنا سرقت منك كذا وكذا وأخذت منك كذا وكذا ، ففي هذه الحال يمكن أن توصل إليه هذه الدراهم – مثلاً – من طريق آخر غير مباشر مثل أن يعطيها رفيقاً لهذا الشخص وصديقاً له ، ويقول له هذه لفلان ويحكي قصته ويقول أنا الآن تبت إلى الله – عز وجل – فأرجو أن توصلها إليه". فتاوى إسلاميَّة ( 4 / 162 ) .

ويراجع للأهمية جواب سؤال رقم ( 7545 ) ( 14367 ) ( 31234 ) من هذا الموقع .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا