الجمعة 7 محرّم 1436 - 31 أكتوبر 2014

6020: يشعر بالحزن الدائم لحادث سقوط طائرة


السؤال :
لقد هُديت إلى الدين الإسلامي منذ فترة قصيرة وأنا في راحة عظيمة عندما أعرف الله وأعرف أن الله معنا دائماً ،على الرغم من ذلك لقد اندهشت جداً عندما سمعت اصطدام الطائرة JFK jr., ، لم أستطع التوقف عن البكاء ، إنني لم أفهم لما يجعل الله الأشياء بذلك الغموض . إنني أشعر بأننا كبشر بالفعل لا نملك السيطرة على حياتنا "( معيشتنا ) عندما أكون في موقف صعب غالباً أدعو الله حتى يساعدني لاجتياز هذا الوقت العصيب ، أحياناً أشعر أن دعواتي مستجابة وأن الله قريب مني جداً في حين أن أوقاتاً أخرى أشعر أنه ( عز وجل )بعيد عنا كثيراً إن الدعوات إلى الله هى الطريقة الوحيدة لي حتى أشعر بالراحة من ( العظيم ) ولكنني لا زلت لا أفهم لما تلك الحادثة المحزنة التي حدثت.

الجواب :
الحمد لله

الحمد لله على إسلامك وهذا من فضل الله عليك أن جعلك مسلما ، ثم الحمد لله على شعورك بمعية الله تعالى التي بها تطمئن القلوب وتستقيم الأعمال .

اعلم أن البلاء يُنْزله الله تعالى على الناس ليميزهم فيعْلم الصابر المحتسب ويعْلم القانط الذي يسخط على قضاء الله تعالى فيجزي الصابرين الجنة ويجزي القانطين عذاباً وهمّاً وألماً في الدنيا قبل الآخرة .

وما اصطدام الطائرة التي سميتَ إلا مِن هذا ، فالذين على متنها إما يكونوا من أهل الدين فيكون هذا المصاب كفّارة لذنوبهم ورفعة لدرجاتهم ونوعا من أنواع الشهادة ينالون أجره وكذلك ينال أهلوهم الأجر العظيم إذا صبروا على مصابهم فيهم ، وإما أن يكون فيهم الكافر والفاسق غير المطيع لربه فتكون الحادثة عقاباً لهم وانتقاما من الله .

والمسلم يجب عليه أن لا يحزن لهلاك من ليس بمسلم، لأن من ليس بمسلم فمصيره النار، فليس موته سببا للحزن عليه، لأن كل حي مصيره الموت، لكن كونه مات على الكفر قبل أن نتمكن نحن المسلمين من إرشاده إلى دين الحق هو الذي ينبغي أن يكون مصدر حزننا.

وليس في الأمر غموض كما قلتَ ، بل هو قَدَرُ الله واقع في كل لحظة وساعة يجب علينا أن نصبر عليه وألا يذهب بنا الحُزن كلَّ مذهب ؛ لأن في سقوط هذه الطائرة آية للناس ليتفكروا في عظيم قدرة الله .

كما قال تعالى عن السّفن : { ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام ، إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ، أو يوبقهن بما كسبوا ويعف عن كثير ، ويعلم الذين يجادلون في ءاياتنا مالهم من محيص ، فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين ءامنوا وعلى ربهم يتوكلون } [ الشورى / 32-36 ] .

وفي سقوط الطائرات وغيرها تذكير للبشر أنهم مهما بلغوا من التقدّم والتطوّر الدنيوي وحصّلوا من أسباب القوة ما حصّلوا فإنّ الله أقوى منهم وأقدر ، وليس ما يصنعونه ويطوّرونه بمنجيهم من بأس الله وقدره إن جاء وحلّ بهم ، فيرجع العباد إلى أنفسهم ويرون الحقيقة في عجزهم وضعفهم وقوّة الله تعالى وبطشه وقدرته .

واعلم أن الله قريب يجيب دعوة المضطر ، والله تعالى لا يبعد عن الإنسان إلا إذا أبعد هو عن الله تعالى ونأى بجانبه .

قال تعالى : { وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون } [ البقرة / 186 ] .

ولا يشعر أحد ببعد الله تعالى عنه إلا لأنه خرّب ما بينه وبين الله ، فإن أصلح ما بينه وبين ربه فإنه لا يشعر بتلك المحزنة ولا بذلك البعد .

وإنَّ الحزن الذي أحل بك والوحشة التي غشت قلبك هي من الشيطان الرجيم الذي يريد أن يُحزن الذين آمنوا ، ولا يحب أن يراهم نشيطين للطاعة طيبي النفوس .

قال الإمام ابن كثير - رحمه الله - :

قال تعالى : { وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ، وقال تعالى :     { خذ العفو وأْمُر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم } ، وقال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون ، وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون } ، وقال تعالى : { ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ، وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ، وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم } فهذه ثلاث آيات ليس لهن رابعة في معناها ، وهو أن الله تعالى يأمر بمصانعة العدو الإنسي والإحسان إليه ليردعه طبعه الطيب الأصل إلى الموالاة والمصافاة ، ويأمر بالاستعاذة من العدو الشيطاني لا محالة إذ لا يقبل مصانعة ولا إحساناً ولا يبتغي غير هلاك ابن آدم لشدة العداوة بينه وبين أبيه آدم من قبل ، كما قال تعالى : { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة } ، وقال تعالى : { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } ، وقال : { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا } ، وقد أقسم للوالد آدم عليه السلام أنه له لمن الناصحين وكذب فكيف معاملته لنا وقد قال :{ فبعزتك لأغوينهم أجمعين . إلا عبادك منهم المخلصين } ، وقال تعالى : { فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ، إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون } .

" تفسير ابن كثير " ( 1 / 14 ) .

فارجع إلى الله وأقبل على ذِكْره واجتهد في عبادته لعل نفسك تصفو وتثبت محبته في قلبك وترتاح من الهمّ والحزن وتذكّر حديث النبي صلى الله عليه وسلم : مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا رواه الإمام أحمد 3704 وهو حديث صحيح  ، وصلى الله على نبينا محمد.

الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
أضف تعليقا