الخميس 24 جمادى الآخر 1435 - 24 أبريل 2014
70305

حكم الصلاة خلف من يشرب الدخان

en
هل تصح الصلاة خلف إمام يشرب الدخان ، علماً بأنه توجد مساجد أخرى لكن تجتمع الأئمة على الاشتراك في التدخين - ؟.

الحمد لله

شرب الدخان حرام ، ولا شك في ذلك عند العلماء ، وهو ضار ولا شك في ذلك عند الأطباء والعقلاء ، وارتكاب هذا الفعل من إمام مسجد : يعد من المجاهرة بالمعصية ، وبعض أهل العلم يمنع من الصلاة خلفه ، إلا أن الصواب جواز ذلك ، مع التنبيه أن غيره من أهل العدالة أولى .

سئل الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله - :

ما حكم شرب الدخان ، وحكم إمامة من يجاهر بذلك ؟ .

فأجاب :

قد دلت الأدلة الشرعية على أن شرب الدخان من الأمور المحرمة شرعاً ؛ وذلك لما اشتمل عليه من الخبث والأضرار الكثيرة ، والله سبحانه لم يبح لعباده من المطاعم والمشارب إلا ما كان طيباً نافعاً ، أما ما كان ضارّاً لهم في دينهم أو دنياهم أو مغيراً لعقولهم : فإن الله سبحانه قد حرمه عليهم ، وهو عز وجل أرحم بهم من أنفسهم ، وهو الحكيم العليم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره ، فلا يحرم شيئاً عبثاً ، ولا يخلق شيئاً باطلاً ، ولا يأمر بشيءٍ ليس للعباد فيه فائدة ؛ لأنه سبحانه أحكم الحاكمين ، وأرحم الراحمين ، وهو العالم بما يصلح العباد وينفعهم في العاجل والآجل ، كما قال سبحانه : ( إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) الأنعام/83 ، وقال عز وجل : ( إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ) الإنسان/30 .والآيات في هذا المعنى كثيرة . ومن الدلائل القرآنية على تحريم شرب الدخان قوله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة المائدة : ( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ) المائدة/4 ، وقال في سورة الأعراف في وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ( يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ) الأعراف/157 الآية .

فأوضح سبحانه في هاتين الآيتين الكريمتين أنه سبحانه لم يحل لعباده إلا الطيبات ؛ وهي الأطعمة والأشربة النافعة ، أما الأطعمة والأشربة الضارة كالمسكرات والمخدرات وسائر الأطعمة والأشربة الضارة في الدين أو البدن أو العقل : فهي من الخبائث المحرمة ، وقد أجمع الأطباء وغيرهم من العارفين بالدخان وأضراره أن الدخان من المشارب الضارة ضررا كبيرا ، وذكروا أنه سبب لكثير من الأمراض كالسرطان وموت السكتة وغير ذلك ، فما كان بهذه المثابة فلا شك في تحريمه ووجوب الحذر منه ، فلا ينبغي للعاقل أن يغتر بكثرة من يشربه ، فقد قال الله تعالى في كتابه المبين : ( وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ ) الأنعام/116 ، وقال عز وجل : ( أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ) الفرقان/44 .

أما إمامة شارب الدخان وغيره من العصاة في الصلاة : فلا ينبغي أن يتخذ مثله إماماً ، بل المشروع أن يختار للإمامة الأخيار من المسلمين المعروفين بالدين والاستقامة ؛ لأن الإمامة شأنها عظيم ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما ) الحديث ، رواه مسلم في صحيحه ، وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لمالك بن الحويرث وأصحابه : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم ) .

لكن اختلف العلماء رحمهم الله هل تصح إمامة العاصي والصلاة خلفه ، فقال بعضهم : لا تصح الصلاة خلفه ؛ لضعف دينه ونقص إيمانه ، وقال آخرون من أهل العلم : تصح إمامته والصلاة خلفه ؛ لأنه مسلم قد صحت صلاته في نفسه فتصح صلاة من خلفه ؛ ولأن كثيراً من الصحابة صلوا خلف بعض الأمراء المعروفين بالظلم والفسق ، ومنهم ابن عمر رضي الله عنهما قد صلى خلف الحجاج وهو من أظلم الناس ، وهذا هو القول الراجح ، وهو صحة إمامته والصلاة خلفه ، لكن لا ينبغي أن يتخذ إماما مع القدرة على إمامة غيره من أهل الخير والصلاح .

" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 12 / 123 – 127 ) .

وسئل الشيخ – رحمه الله – أيضاً - :

ما حكم الصلاة خلف العاصي كحالق اللحية وشارب الدخان ؟ .

فأجاب :

اختلف العلماء في هذه المسألة : فذهب بعضهم إلى عدم صحة الصلاة خلف العاصي ؛ لضعف إيمانه وأمانته ، وذهب جمع كبير من أهل العلم إلى صحتها ، ولكن لا ينبغي لولاة الأمر أن يجعلوا العصاة أئمة للناس مع وجود غيرهم ، وهذا هو الصواب ؛ لأنه مسلم يعلم أن الصلاة واجبة عليه ويؤديها على هذا الأساس فصحت صلاة من خلفه ، والحجة في ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الصلاة خلف الأمراء الفسقة : ( يصلون لكم فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم ) – رواه البخاري الأذان ( 662 ) - ، وجاء عنه عليه الصلاة والسلام أحاديث أخرى ترشد إلى هذا المعنى ، وصلى بعض الصحابة خلف الحجاج وهو من أفسق الناس ؛ ولأن الجماعة مطلوبة في الصلاة ، فينبغي للمؤمن أن يحرص عليها ، وأن يحافظ عليها ولو كان الإمام فاسقاً ، لكن إذا أمكنه أن يصلي خلف إمام عدل : فهو أولى ، وأفضل ، وأحوط للدين .

" فتاوى الشيخ ابن باز " ( 6 / 400 ) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - :

الصلاة تصح خلف المدخن , وصلاة المدخن صحيحة , ومن صحت صلاته : صحت إمامته ؛ لأن المقصود أن يكون إماما لك ، وهذا يكون بصحة الصلاة , ولهذا لو وجدت شخصاً يشرب الدخان , أو حالق اللحية , أو يتعامل بالربا , أو ما شابه ذلك : فلا حرج عليك أن تصلي معه ، وصلاتك صحيحة .

" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 15 / السؤال رقم 1003 ) .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا