الخميس 29 ذو الحجة 1435 - 23 أكتوبر 2014
ur

70443: قال لزوجته: تحرم العيشة معك .. وحكم القاضي بالطلاق


قلت أمام القاضي لزوجتي العبارة التالية: تحرم العيشة معك ، وأستعيذ بالله منك . لقد اعترضت أمام القاضي وقلت له وأنا بشكل منفعل : بأنني لم أقصد الطلاق ولا نية لي بالطلاق. غير أن القاضي لم يأخذ بكلامي وحكم بأن الطلاق بائن بينونة كبرى. لقد انهارت أعصابي ولم أعِ ماذا أفعل؟ فأرسلت للزوجة وأهل الزوجة من خلال الهاتف المتحرك نصا أقول فيه: مبروك طلاق ابنتكم. فهل صحيح يكون قد وقع الطلاق بشكل بائن بينونة كبرى أم لا ؟

الحمد لله
إذا حرم الرجل زوجته بأن قال : أنت علي حرام ، فهل يكون هذا ظهارا أو طلاقا أو فيه كفارة يمين ؟
اختلف الفقهاء في ذلك اختلافا كثيرا ، وقد حكى القاضي عياض في المسألة أربعة عشر مذهبا، ونقلها النووي رحمه الله في شرح مسلم .
ولعل أرجح الأقوال : أنه إن نوى الطلاق أو الظهار أو اليمين ، فالأمر على ما نواه ، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله ، وهو رواية عن أحمد .
وإن لم ينو شيئا لزمه كفارة يمين ، وهذا ما ذهب إليه أبو حنيفة والشافعي .
ويدل على وجوب الكفارة ما ثبت في الصحيحين عن ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ : (إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهِيَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا وَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) البخاري (4911) ومسلم (1473).
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم :
" وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِيمَا إِذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَام . فَمَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ إِنْ نَوَى طَلَاقهَا كَانَ طَلَاقًا ، وَإِنْ نَوَى الظِّهَار كَانَ ظِهَارًا ، وَإِنْ نَوَى تَحْرِيم عَيْنهَا بِغَيْرِ طَلَاق وَلَا ظِهَار لَزِمَهُ بِنَفْسِ اللَّفْظ كَفَّارَة يَمِين ، وَلَا يَكُون ذَلِكَ يَمِينًا .
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : أَصَحّهمَا : يَلْزَمهُ كَفَّارَة يَمِين ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَغْو لَا شَيْء فِيهِ ، وَلَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء مِنْ الْأَحْكَام ، هَذَا مَذْهَبنَا .
وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاض فِي الْمَسْأَلَة أَرْبَعَة عَشَر مَذْهَبًا :
أَحَدهَا : الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب مَالِك أَنَّهُ يَقَع بِهِ ثَلَاث طَلْقَات سَوَاء كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا أَمْ لَا ، لَكِنْ لَوْ نَوَى أَقَلّ مِنْ الثَّلَاث قُبِلَ فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا خَاصَّة ، قَالَ : وَبِهَذَا الْمَذْهَب قَالَ أَيْضًا عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَزَيْد وَالْحَسَن وَالْحَكَم ...إلخ" انتهى .
فمذهب المالكية إذاً : أنه يقع بهذا التحريم ثلاث طلقات ، فتقع البينونة الكبرى ، والظاهر أن القاضي حكم بناء على هذا المذهب ، واعتبر قولك لزوجتك : تحرم العيشة معك ، من قبيل التحريم الذي اختلف فيه الفقهاء .
وقد نص المالكية على أن من حرّم العيش أو العيشة ونوى الزوجة في ذلك ، أنها تطلق ثلاثا.
انظر : "حاشية الدسوقي" (2/382) ، و "فتح العلي المالك" (2/34).
وقد قدمنا ما يظهر رجحانه من أقوال الفقهاء في المسألة ، وبقي أن نشير إلى مسألة النية ، والفرق بين نية اليمين ونية الطلاق ونية الظهار ، وفي ذلك يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " إن قال قائل : ما هو الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ؟ قلنا : الفرق بينهما :
الحال الأولى : في اليمين هو ما نوى التحريم ، لكن نوى الامتناع إما معلقا وإما منجزا ، مثل أن يقول : إن فعلت كذا فأنت عليّ حرام ، هذا معلق . فهنا ليس قصده أنه يحرم زوجته ، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك .
وكذلك : أنت علي حرام ، قصده أن يمتنع من زوجته ، فنقول : هذا يمين ؛ لقوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ ...) إلى أن قال : ( قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ ) وقوله : ( مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ) "ما" اسم موصول يفيد العموم ، فهو شامل للزوجة وللأمة وللطعام والشراب واللباس ، فحكم هذا حكم اليمين . قال ابن عباس رضي الله عنهما : إذا قال لزوجته : أنت علي حرام فهي يمين يكفرها . والاستدلال على ذلك بالآية ظاهر .
والحالة الثانية : أنه يريد به الطلاق ، فينوي بقوله : أنت علي حرام ، يعني : إنني مفارقك ، وما يريد أن تبقى معه ، يريد أن يفارقها بهذا اللفظ . فهذا طلاق ، لأنه صالح للفراق ، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام : (إنما الأعمال بالنيات ، وإنما لكل امرئ ما نوى).
الحالة الثالثة : أن يريد به الظهار ، ومعنى الظهار : أن يريد أنها محرمة عليه ، فهذا قال بعض أهل العلم : إنه لا يكون ظهارا ، لأنه لم يوجد فيه لفظ الظهار . وقال بعض العلماء : إنه يكون ظهارا ؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، ليس معناه إلا أنت حرام ، لكنه شبهها بأعلى درجات التحريم وهو ظهر أمه ، لأنه أشد ما يكون حراما عليه ، فهذا يكون ظهارا" انتهى من "الشرح الممتع" (5/476).
وإنما ذكرنا حالات النية ، لأن بعض الناس يقول : ما قصدت الطلاق ، والواقع أنه قصد مفارقة زوجته ، وألا تبقى معه ، وهذا قصدُ الطلاق .
هذا ما أمكن ذكره من الناحية الفقهية ، ثم للقضاء كلمته المبنية على الإحاطة بحال السائل ، ولفظه ، والقرائن المحيطة به ، وفي مثل هذه المسائل التي اختلف العلماء في حكمها ، وليس فيها نص من السنة النبوية يقطع النزاع ، يكون الحكم النهائي فيها للقاضي ، ولهذا قال العلماء: "حكم القاضي يقطع النزاع" .
فيلزمك العمل بما حكم به القاضي ، ولا يجوز لك مخالفته .
فإن كان لك اعتراض على حكم القاضي فلعلك تراجع المحكمة ، وتلتمس منها النظر في موضوعك .
والله أعلم .

أضف تعليقا