الأربعاء 16 جمادى الآخر 1435 - 16 أبريل 2014
71152

هل تدعو الزوجة الثانية على الزوجة الأولى لظلمها لها؟

en
لقد طلقني زوجي ، بعد زواجٍ دام 11 شهرًا فقط ! ! وسؤالي هو : في قلبي نارٌ من تفضيله زوجته الأولى عليّ ، رغم تعدّيها وظلمها لي . فهل من المحرّم الدعاء بالسوء . . لأني أشعر أنّي لا أملك سوى دفاع الله عنّي ، وجبر خاطري ، ولذلك أقول طوال الوقت : حسبي الله ونعم الوكيل ، اللهمّ أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها . . وأقول : اللهم انصرني على من ظلمني ، وأرني به ثأري ، وبالفعل أعنيه .

الحمد لله

أولاً :

قد حذرنا الله ورسوله من الظلم , قال الله تعالى : ( وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ) إبراهيم/42 , وقال رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اتَّقُوا الظُّلْمَ ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) رواه مسلم (2578) .

ومن أعظم الظلم وأقبحه : ظلم الزوج زوجته ، وتركه العدل بين زوجاته .

قال النبيّ صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ ، فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا ، جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ وَشقّهُ مَائِلٌ ) رواه أبو داود (2133) وصححه ابن حجر "بلوغ المرام" (315) .

قال الذهبيّ رحمه الله في "الكبائر" (ص109) :

" ومن الظلم : أن يظلم المرأة حقّها من صداقها ونفقتها وكسوتها " انتهى .

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :

( يؤخذ بيد العبد والأمة يوم القيامة ، فينادي منادٍ على رؤوس الأولين والآخرين : هذا فلان بن فلانٍ ، من كان له حقٌ فليأت إلى حقّه ، فتفرح المرأة أن يكون لها الحقّ على أبيها ، أو على ابنها ، أو على أخيها ، أو على زوجها ، ثم قرأ ابن مسعود : ( فَلَاْ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَاْ يَتَسَاءَلُون) المؤمنون/101 ،  فيغفر الله تبارك وتعالى من حقّه ما شاء ، ولا يغفر من حقوق الناس شيئًا ) رواه الطبري في تفسيره (5/90) .

 

ثانيًا :

وقد أرخص الله سبحانه وتعالى للمظلوم أن ينتصر ممن ظلمه في الدنيا ، وذلك بما يقدر عليه ، من غير تعدٍّ ولا تجاوزٍ ولا ظلم .

قال الله تعالى : ( لَاْ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيْعًا عَلِيْمًا ) النساء/148 .

قال ابن كثير في "التفسير" (1/572) :

" قال ابن عباسٍ في الآية : يقول : لا يحب الله أن يدعو أحدٌ على أحدٍ ، إلا أن يكون مظلومًا ،  فإنّه قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، وذلك قوله : ( إِلّا مَنْ ظُلِمَ ) ، وإن صبر فهو خيرٌ له " انتهى .

وقال تعالى : ( وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيْلٍ ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَىْ الّذِيْنَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِيْ الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقّ ، أُوْلئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ ) الشورى/41-42 .

وقال تعالى : ( وَالَّذِيْنَ إِذَاْ أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ ) الشورى/39 .

وقد جاء عن بعض الصحابة دعاؤهم على من ظلمهم :

فلما اتهم رجلٌ من أهل الكوفة سعدَ بن أبي وقاص رضي الله عنه بما هو بريء منه , قال سعدٌ : ( أما واللّه لأدْعونّ بثلاْثٍ : اللّهمّ إنْ كان عبْدك هذا كاذبًا قام رياءً وسمعةً ، فأطلْ عمره ، وأَطِلْ فقْرَه ، وعرّضه للْفتن . فكان الرجل يقول بعد ذلك : شيخٌ مفْتونٌ أصابتْني دعْوة سعْدٍ ) رواه البخاري (755) ومسلم مختصرا (453) .

وعن محمد بن زيد عن سعيد بن زيْدٍ رضي الله عنه أنّ أروى ( اسم امرأة ) خاصمتْه في بعْض داره ، فقال : دعوها وإيّاها ، فإنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( من أخذ شبْرًا من الأرض بغيْر حقّه طوّقه في سبع أرضين يوْم القيامة ) ، اللهمّ إن كانت كاذبةً فأعم بصرها , واجعلْ قبرها في دارها ، قال : فرأيتها عمياء تلتمس الجدر ، تقول : أصابتني دعوة سعيد بن زيدٍ ، فبينما هي تمشي في الدّار ، مرّت على بئرٍ في الدّار فوقعتْ فيها فكانت قبْرها . رواه مسلم (1610) .

قال النووي في "شرح مسلم" (11/50) :

" وفي حديث سعيد بن زيدٍ رضي الله عنه جواز الدعاء على الظالم " انتهى .

وإذا دعا المظلوم على من ظلمه ، فلا يتعدَّ في الدعاء ، ولا يتجاوزْ ما شرعه الله له .

قال الحسن البصري :

( لا يدع عليه ، وليقل : اللهم أعنّي عليه ، واستخرج حقّي منه ) .

وفي روايةٍ عنه قال : ( قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه ، من غير أن يعتدي عليه ) انتهى .

"تفسير ابن كثير" (1/572) .

وخير ما يدعو به المظلوم ، هو ما جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم .

فعن جابرٍ رضي الله عنه  قال  : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقول : ( الَّلهُمّ أَصْلِحْ لِيْ سَمْعِي وَبَصَرِيْ ، وَاجْعَلْهُمَا الوَارِثَيْنِ مِنّي ، وَانصُرنِي عَلَى مَنْ ظَلَمَنِي ،  وَأَرِنِي مِنْهُ ثَأْرِي ) . رواه البخاري في الأدب المفرد (1/226) ، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد .

وعن ابن عمر رضي الله عنهما : أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قلّما كان يقوم من مجلسٍ حتّى يدْعو بهؤلاء الدّعوات لأصحابه : ( الّلهُمَّ اقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ . . . واجْعَلْ ثَأْرَنَا عَلَىْ مَنْ ظَلَمَنَا وَانصُرْنَا عَلَىْ مَنْ عَادَانَا . .) رواه الترمذي (3502)  وحسنه الألباني في صحيح الترمذي .

 

ثالثاً :

وخيرٌ من ذلك كله : العفو ، وترك أمر الظالم له سبحانه وتعالى يوم القيامة ، وذلك أنّ من عفا عن حقّه في الدنيا ، أخذه وافرًا في الآخرة ، وأراح قلبه من شوائب الحقد والغيظ .

وقد بوّب البخاريّ في صحيحه (2/864) :

" باب عفو المظلوم لقوله تعالى : ( إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ) النساء/149 . ( وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) الشورى/40 . ( وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ) الشورى/43 " انتهى .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( يَا عُقبَةَ بنَ عَامِر : صِلْ مَنْ قَطَعَكَ ، وَأَعْطِ مَنْ حَرَمَكَ ، وَاعْفُ عَمَّن ظَلَمَكَ ) رواه أحمد (4/158) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة"(891) .

وعنْ عائشة رضي الله عنْها قالت : ( سُرِقَتْ مِلْحفةٌ لَهَا ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَى مَن سَرَقَهَا ، فَجَعَلَ النَّبيّ صلى الله عليه وسلم يقولُ : لَاْ تُسَبِّخِي عَنْهُ ) .

قال أبو داود : لا تسبخي : أي : لا تخففي عنه . رواه أبو داود برقم (1497 ) وصححه الألباني في "صحيح الترغيب" (2468)  .

والخلاصة   :

أنه لا يجوز للزوج أن يظلم زوجته سواء كانت واحدة أو معها أخرى ، ويجوز للمظلوم أن يدعو على من ظلمه ، لكن لا يجوز له أن يعتدي في دعائه ، وخير من الدعاء العفو : والمسامحة .

 

والله أعلم .
الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا