الأحد 20 جمادى الآخر 1435 - 20 أبريل 2014
72252

أسلم وأمه تريد منه الرجوع إلى النصرانية

أنا طالب من اليونان وأبلغ من العمر 18 عاما . وقد أسلمت منذ أسبوعين . وأنا أصلي بشكل عادي خمس مرات في اليوم ، وأذهب للمسجد وأدرس القرآن . لكني واجهت بعض المشاكل منذ ذاك . صديقتي قبلت بذلك ونحن نخطط على الزواج في المستقبل . وكذلك فقد قبلت أختي بالأمر . لكن أمي هي المشكلة . فقد دب الفتور في علاقتها معي . فهي تريدني أن أعود للنصرانية مرة أخرى وهي لا تقبل بالإسلام على الإطلاق . لقد قالت لي إن النصارى سينظرون إليّ على أني خائن وسيقول المسلمون إني تابع لهم ، لأني ولدت نصرانيا . أنا لم أخبر أبي بأي شيء حتى الآن (فوالداي مطلقان) ، وذلك لأنه لن يقبل بذلك (فهو نصراني أيضا) ولأنه سيتشاجر مع والدتي . أفضل صديق عندي هو مسلم وقد ساعدني كثيرا ، لكن والدتي تظن أنه أجبرني على الإسلام ، وهذا غير صحيح . لقد درست الإسلام وأدركت أنه الدين الصحيح ، وذلك الذي دفعني لاعتناقه . ما هي نصيحتك للتعامل مع أهلي ؟ أنا لا أريد أن أخيب أملهما ، خصوصا والدتي ، لأنها عانت كثيرا بسبب الطلاق . وأشكرك على اهتمامك .

الحمد لله

أولا :

نهنئك ونبارك لك ، على هذه النعمة التي مَنَّ الله بها عليك ، فإنها والله أعظم النعم ، وإنه التوفيق الذي نسأل الله أن يدخلك به الجنة ، ويجمعك به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، فهنيئا لك , ثم هنيئا لك ، أقبلت على الله في هذه السن التي أقبل في مثلها الأخيار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، كمصعب بن عمير ، وعبد الله بن مسعود ، ومعاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ . نهنئك لأن صحيفتك صارت بيضاء نقية ، لم تندس بالذنوب ، فقد محى الإسلام ما كان قبله ، وأنت الآن تستقبل عمرا جديدا ، وحياة سعيدة بإذن الله ، ونسأل الله أن يحفظك ، ويثبت قلبك ، ويهدي والديك وإخوانك وأحبابك .

ثانيا :

نحمد الله أنك بدأت طريق الهداية بالذهاب إلى المسجد ، ودراسة القرآن ، فإن هذا عنوان الخير ، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ ) رواه البخاري (71) ومسلم (1037) . وعليك أن تبذل الجهد في حفظ القرآن وترتيله وقيام الليل به ، وتعلم أحكامه ، والعمل بما فيه ، فإن الجنة درجات ، وإن صاحب القرآن يقال له في الجنة : اقرأ وارتق ، فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .

ثالثا :

إن الموقف الذي بدر من أمك تجاهك ، لا يُستغرب ، فإن معركتك الحقيقية مع الشيطان ، وهو لا يرضى بإسلامك ، ولا يحب لك الخير ، فلا شك أنه سيستعين بأقاربك ، ويوسوس لأهلك ، حتى يستخدمهم سلاحا ضدك ، ويمنعهم من اللحاق بك في موكب الإيمان الحق ، فلا تحزن ، ولا تيأس ، واستعذ بالله من الشيطان الرجيم ، ليصرف كيده عنك ، وكن رفيقا رحيما بأمك ، فإنها لو ذاقت طعم الهداية ما وقفت في طريقك ، واستعن بالله تعالى في دعوتها ، ونصحها ، وأكثر من الدعاء لها بالهداية والرحمة ، فلعلك توافق ساعة إجابة ، فتقر عينك بإسلامهم وصلاحهم .

واعلم أنك لست وحدك في هذا الميدان ، فهناك آلاف الناس ممن وفقهم الله لمعرفة الحق ، واختيار الإسلام عن رضا وقناعة ، وكثير منهم لاقى معارضة وصدودا من أهله ، ثم شاء الله بالفتح ، وجاء بالفرج ، فأسلم البيت كله ، بل العائلة كلها ، وكان ذلك في ميزان حسنات الابن الموفق ، نسأل الله أن يجعلك من هؤلاء وأن يسعدك بإسلام أهلك جميعا .

واعلم أن وجود المعارضة من البيت هو اختبار وابتلاء للمسلم ، حتى يظهر صدق إسلامه ، وقوة إيمانه ، كما قال الله تعالى : ( الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ) العنكبوت/1- 3 .

ومن نماذج المؤمنين الصادقين الصحابي الجليل سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ، كان برّاً بأمه ، فلما أسلم امتنعت أمه عن الطعام والشراب ، حتى يرجع عن دينه ، فأبى رضي الله عنه ، وثبت على إسلامه ، ولم تجد أمه فائدة من إضرابها فعادت لطعامها وشرابها ، ومما ورد في ذلك قوله رضي الله عنه : ( يا أمّه , تعلمين والله لو كانت لك مائة نفس فخرجت نفساً نفسا ما تركت ديني هذا لشيء ، فإن شئت فكلي ، وإن شئت لا تأكلي . فأكلت ) .

انظر : "تفسير ابن كثير" (3/429) .

رابعا :

لقد عالج القرآن هذه المشكلة ، لأنها كثيرة الوقوع ، لا سيما في الجيل الأول الذي فارق الكفر ، واعتنق الإسلام ، ولاقى حربا شديدة من قبل الأهل والعشيرة وأقرب الناس ، قال الله تعالى : ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) لقمان/14- 15

فلا مجال لطاعة الوالدين في الكفر ، بل لا مجال لطاعتهما في المعصية ، ولكن هذا لا يمنع من الإحسان إليهما ، والقيام على شئونهما ، وبذل الغالي والنفيس في سبيل هدايتهما ، وهذا دليل على عظمة الإسلام ، وأنه دين الرحمة والمحبة ، لهذا يدعو أتباعه إلى هداية الناس وإدخالهم في النعمة التي دخلوا فيها .

خامسا :

من اختار طريق الهداية ، فلا يلتفت إلى كلام الآخرين ، ولا يتعجب من صدوره ، فإنه أمر متوقع ، وإلا فماذا سيقول عنك النصارى ؟ هل سيقولون : إنك اهتديت ، وعرفت الحق ، وآثرته على الأهل والأقارب ؟! الجواب : لا ، لن يقولوا ذلك ، فلا تلتفت لقولهم : خائن أو غير ذلك ، وانظر إليهم بعين الشفقة والحرص على هدايتهم ، وابذل الجهد حتى تتعلم وتصبح داعية تنتشلهم مما هم فيه من الضلال والانحراف .

وأما ظنُّ أمك أن المسلمين سيقولون : إنك تابع ؛ لأنك ولدت نصرانيا ، فهذا ليس صحيحا ، بل سنقول : إنك أخ لنا , اخترت الهداية ، ورجعت للفطرة التي ولدت عليها ، فلقد ولدت على الإسلام والتوحيد ، وعلماء النصارى يعلمون أن المولود يولد على الفطرة ، ولهذا يسارعون إلى تعميد الطفل ، ويعتقدون أنه إذا لم يعمّد سيكون مسلما ! وهذا دليل على أن الأصل هو الإسلام ، وأن الطفل لو ترك على أصله لكان مسلما .

وليس في الإسلام تبعية لأحد إلا لمحمد صلى الله عليه وسلم , لأنه النبي الرسول الذي أمرنا باتباعه ، وما عدا ذلك فالإسلام يربي أتباعه على الحرية والانعتاق من تسلط الكهنوت والأحبار والرهبان ، ولا يحوج العبد إلى واسطة بينه وبين الله تعالى .

وأخيراً .. لقد قلت في سؤالك : إن صديقتك قبلت بإسلامك , وإنكما تخططان للزواج في المستقبل .

وهنا , لابد أن تعلم أن مِنْ حرص الإسلام على عفة أتباعه وطهارة قلوبهم أنه حرم على الرجال اتخاذ الصديقات , ولا يقر الإسلام علاقة بين رجل وامرأة من هذا القبيل إلا إذا كانت في نطاق الزوجية , فإن كانت صديقتك نصرانية , فعليك بدعوتها إلى الإسلام والحرص على هدايتها ففي ذلك خير كثير لكما إن شاء الله تعالى , فإن أبت فأخبرها أن الإسلام قد حرم هذه العلاقة التي بينكما , وأنك لن تقدم رضا أحد كائناً من كان على رضى الرحمن , فإما أن تتزوجا ( ويجوز للمسلم أن يتزوج نصرانية ) وإما أن تفترقا , إيثاراً لرضى الله سبحانه وتعالى .

وأهم ما نوصيك به هو الإحسان إلى أمك وأبيك وإخوانك وأقاربك ، والرفق بهم ، وتفهم ما يدور بمشاعرهم ، وسؤال الله الهداية لهم ، واختيار الوسائل الحكيمة لدعوتهم ، ومن ذلك : الكلمة الطيبة ، والهدية ، والزيارة ، ودعوتهم لزيارة المسجد ، وإعطاؤهم الكتيب والشريط النافع .

نسأل الله أن يحفظك ويرعاك ، ويوفقك لكل خير .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا