الاثنين 21 جمادى الآخر 1435 - 21 أبريل 2014
82199

ادعت أنها طلقت من زوجها هل يجوز تزويجها بدون بينة

رجل في السبعين من عمره متزوج بمقيمة على غير كفالته في مدينة ما وتقول إنها مطلقة من زوجها السابق الذي في مدينة أخرى ولها منه ابنان . الرجل نصحه أبناؤه بالابتعاد عنها أو التأكد من طلاقها السابق ولا يدري عن مدى صحة عقد الزواج ولكنه يرفض وبشدة ولا يريد التدخل بأمره بتاتا. هل يلحق أبناءه إثم من تلك القضية وماذا يجب عليهم تجاه أبيهم ؟ (علما أنها تذهب بحجة أبنائها كل إجازة عيد وصيف إلى تلك المدينة وإجازة الأسبوع في نفس المدينة بحجة جماعتها رغما عن زوجها).

الحمد لله

أولا :

إذا ادعت المرأة أنها كانت متزوجة ثم طلقت وانتهت عدتها ، فهل يقبل قولها أم لابد من بينة تثبت طلاقها ؟ في ذلك خلاف للفقهاء .

فمنهم من قال : يقبل قولها ، وتصدّق في ذلك ؛ لأنها مؤتمنة على نفسها .

ومنهم من قال : إذا غلب على الظن صدقها جاز تصديقها .

ومنهم من فرق بين الغريبة عن البلد والتي في البلد ، فيقبل قول الأولى ، وأما التي في البلد فلا تزوج حتى تثبت الطلاق ببينة .

ومنهم من فرق بين إخبارها عن الطلاق من زوج معين ، كأن تقول : تزوجت فلانا ثم طلقني ، وبين إخبارها عن الزواج من غير معين ، ففي الصورة الأولى لابد أن تأتي ببينة على أنها طلقت منه .

وهذا طرف من كلام الفقهاء :

قال في "المبسوط" (5/151) : " وإذا قالت : طلقني زوجي أو مات عنى وانقضت عدتي حل لخاطبها أن يتزوجها ويصدقها ; لأن الحل والحرمة من حق الشرع ، وكل مسلم أمين مقبول القول فيما هو من حق الشرع , إنما لا يقبل قوله في حق الغير إذا أكذبه من له الحق , ولا حق لأحد هنا فيما أخبرت به , فلهذا جاز قبول خبرها في ذلك , والله تعالى أعلم بالصواب " انتهى.

وقال في "البحر الرائق" (4/64) : " و[أشار] بقبول قول المطلقة إلى أن منكوحة رجل قالت لآخر : طلقني زوجي , وانقضت عدتي ، جاز تصديقها إذا وقع في الظن صدقها " انتهى .

وسئل عليش المالكي رحمه الله ، كما في " فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" (2/78) : " ( ما قولكم ) في امرأة حضرت من الفيوم إلى القليوبية وقالت كنت متزوجة في الفيوم , وطلقني زوجي منذ شهرين , ومعها وثيقة متضمنة طلاقها وتاريخه بختم نائب القاضي في البلد الذي كانت فيه , وأرادت التزوج بعد وفاء العدة من تاريخ الوثيقة فهل تمكن من ذلك ؟ أفيدوا الجواب .

فأجبت بما نصه : الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله ، نعم تُمكّن من ذلك لأنها مصدقة في دعواها الطلاق , وانقضاء العدة في الصورة المذكورة ، خصوصا وقد ترجحت دعواها بوثيقة القاضي ، هذا مفاد النصوص ، لكن ينبغي زيادة التثبت في هذا الأمر الآن ، لما شوهد كثيرا من تخليط النساء وتزويجهن أزواجا معا ، نسأل الله السلامة والعافية " انتهى .

وقال الزركشي في "المنثور في القواعد" (1/171) : " ولو قالت : طلقني زوجي فلان وانقضت عدتي وطلبت من الحاكم تزويجها ، ففي أدب القضاء للدبيلي : إن كانت غريبة والزوج غائب ، فالقول قولها بلا بينة ولا يمين ، وإن كان الزوج في البلد وليست غريبة ، فلا يعقد الحاكم عليها حتى تثبت ما ادعته .

وأطلق الرافعي في فصل التحليل قبول قولها عند الاحتمال ... ونقل ( قبل ) دعوى النسب عن فتاوى البغوي : أنه إذا حضر عند القاضي رجل وامرأة ، واستدعت تزويجها من الرجل ، وذكرت أنها كانت زوجة فلان وطلقها أو مات عنها، : لم يزوجها القاضي ما لم تقم حجة على الطلاق أو الموت لأنها أقرت بالنكاح لفلان " انتهى .

وسئل الرملي الشافعي : " عن امرأة قالت : إن زوجها (فلانا) طلقها أو مات عنها وانقضت عدتها ، هل للحاكم أن يزوجها بلا بينة ؟ ( فأجاب ) بأنه ليس للحاكم أن يزوجها حتى تقيم بينة بما قالته ، لأنها أقرت له بالنكاح والأصل بقاؤه ، وهذا بخلاف ما إذا أقرت به لغير معيّن ، وعليه يحمل ما حكاه الدبيلي في أدب القضاء [ وذكر ما نقله الزركشي سابقا ] ، وما ذكره القاضي في فتاويه أن المرأة لو ادعت على الولي وفاة الزوج أو طلاقه فأنكر ، فإنها تحلف ويأمره الحاكم بتزويجها ، أو يزوجها الحاكم " (3/161).

وقال أيضا (3/153) : " والحاصل أن المعتمد أن المرأة إذا ادعت طلاقا من نكاح معيّن لا يزوجها الحاكم حتى تثبت ، أو غير معين فله اعتماد قولها ، وقد قيل غير ذلك " انتهى .

والذي يظهر أن التحري مطلوب في هذه المسألة ، لاسيما مع فساد الزمان ، وكثرة الحوادث التي يتبين فيها أن العقد تم على امرأة متزوجة مخادعة ، ويبقى أن القاضي له الفصل في هذه المسألة ، فإن رأى قبول قولها زوّجها ، وإن رأى مطالبتها بالبينة ، أو لم يحصل له ظن بصدقها ، فإنه لا يزوجها حتى تثبت الطلاق .

والمعمول به الآن أن القاضي أو مأذون الأنكحة لا يزوج من ثبت زواجها سابقا وادعت الطلاق ، حتى تأتي بوثيقة الطلاق ، فلا ندري كيف تم العقد للرجل المذكور .

ثانيا :

إذا حصلت الريبة في كون المرأة مطلقة ، أو لا زالت على زواجها الأول ، فلأولاد المسئول عنه أن يتحروا الأمر بالسؤال عنها وعن زوجها الأول ، فإن تبين أنها لم تطلق من زوجها ، وجب إعلام أبيهم بذلك ، والتفريق بينه وبينها حتى تنقضي عدتها منهما ، ويرفع الأمر إلى القاضي ليفصل في المسألة ، ولا يجوز لهم السكوت إن علموا بذلك ؛ لأن الزواج من المرأة المنكوحة للغير قبل طلاقها وانقضاء عدتها ، زواج باطل ، والمقدم عليه مقدم على الزنا إن كان يعلم حقيقة الأمر .

لكن ننبه هنا إلى أمرين :

الأول : أن يراعي الأبناء حق أبيهم ومنزلته ومكانته ، فلا يؤذونه بالحديث في هذه المسألة . ولو فرض أنهم اطلعوا على ما ينكر ، فإنهم يبحثون عن الوسيلة الملائمة لنصح أبيهم ، ولو وسطوا غيرهم كان أولى ، مراعاة لخاطره ، وحفظا على ما بينهم من المودة .

الثاني : ألا يكون الحامل لهم على الشك والريبة والاتهام كراهيتهم لزوجة أبيهم ، لكونها أجنبية أو لكون أبيهم تزوجها مع كبر سنه ، أو غير ذلك من الأمور الخاصة التي لا تخفى على علام الغيوب سبحانه ، فليتقوا الله تعالى ، وليقولوا قولا سديدا ، وليحذروا من اتهام البريء ، وليقدموا حسن الظن ، وليمسكوا ألسنتهم عن قول ما يسيء إليهم وإلى أبيهم ، ما لم يظهر لهم أمر لا يمكن السكوت عليه .

وقد قال صلى الله عليه وسلم ( مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ ، وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ بِالدِّينَارِ وَلا بِالدِّرْهَمِ ، وَلَكِنَّهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ ، وَمَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهُوَ يَعْلَمُهُ لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ ، وَمَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا لَيْسَ فِيهِ أَسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الْخَبَالِ حَتَّى يَخْرُجَ مِمَّا قَالَ ) رواه أبو داود (5129) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود .

والردغة : الطين والوحل وما يسيل من عصارة أهل النار .

وفقنا الله وإياكم لما يحب ويرضى .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا