الخميس 5 صفر 1436 - 27 نوفمبر 2014

87779: ينكرون عليه تطبيق السنَّة ويدَّعون أنها تفرق المسلمين !


قال إمام مسجدنا في خطبة الجمعة بأنه لا ينبغي التشدد بالسنة النبوية ؛ لأن السنَّة تفرق بين المسلمين , ونحن يجب علينا أن نتحد ، واستدل بأَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ ‏، قَالَ ‏:‏ تَعْبُدُ اللَّهَ لاَ تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاَةَ الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ ‏،‏ قَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلاَ أَنْقُصُ مِنْهُ ‏،‏ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ‏: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا ‏‏.‏ هل هذا صحيح - مع العلم بأننا متبعون للسنَّة ، وهو يسمي المتبع للسنَّة متشدداً ؟ . أفيدونا بارك الله فيكم.

الحمد لله
أولاً :
لقد قال إمامكم منكراً من القول وزوراً ، وكان الواجب عليه أن يتقي الله ربَّه ، وأن يحفظ لسانه عن الكلام فيما يغمسه في الإثم .
والسنَّة النبوية هي هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله وأفعاله ، فكيف تكون السنَّة مفرِّقة بين المسلمين ؟! وما الذي يوحدهم إن كانت السنَّة تفرقهم ؟!
ولو صدق ذلك الإمام لقال : إن السنة هي التي تجمع الناس ، وتلم شتاتهم .
قال الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله : " وكان السبب في اتفاق أهل الحديث أنهم أخذوا الدين من الكتاب والسنة وطريق النقل ، فأورثهم الاتفاق والائتلاف ، وأهل البدعة أخذوا الدين من طريق المعقولات ، فأورثهم الافتراق والاختلاف .. " الانتصار لأهل الحديث ص (47) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" سبب الاجتماع والألفة جمع الدين والعمل به كله ، و هو عبادة الله وحده لا شريك له كما أمر به ، باطنا وظاهرا ، وسبب الفرقة ترك حظ مما أمر العبد به ، والبغى بينهم !!
ونتيجة الجماعة رحمة الله ورضوانه وصلواته وسعادة الدنيا والآخرة وبياض الوجوه ،
ونتيجة الفرقة عذاب الله ولعنته وسواد الوجوه وبراءة الرسول منهم . "
مجموع الفتاوى (1/17) .
وقال ـ رحمه الله ـ أيضا :
" ما كان مأثورا حصلت له الألفة وما كان معروفا حصلت به المعرفة كما يرى عن مالك رحمه الله أنه قال : إذا قل العلم ظهر الجفاء وإذا قلت الآثار كثرت الأهواء "
درء التعارض (1/149) .

وكيف يسمَّى المتبع للسنَّة متشدِّداً والمسلم مأمورٌ باتباعها والاقتداء بهدي صاحبها وهو النبي صلى الله عليه وسلم ؟! وماذا يقول هذا الإمام عن أفعال الصحابة رضي الله عنهم عندما اتبعوا سنة نبيهم صلى الله عليه خير اتباع ؟! وماذا سيكون حكمه على هذه الواقعة :
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ إِذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ الْقَوْمُ أَلْقَوْا نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاتَهُ قَالَ : مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ جِبْرِيلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا - أَوْ قَالَ : أَذًى - وَقَالَ : إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فَإِنْ رَأَى فِي نَعْلَيْهِ قَذَرًا أَوْ أَذًى فَلْيَمْسَحْهُ وَلْيُصَلِّ فِيهِمَا .
رواه أبو داود ( 650 ) ، وصححه الألباني .
فهؤلاء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قد ألقوا نعالهم في الصلاة لمجرد رؤيتهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم يخلع نعله ، فكيف لو كان الأمر سنَّةً عنه صلى الله وسلم ، أو كان هدياً له ؟! .
ثانياً :
إن لمز متبعي سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم واتهامهم بالتشدد أو التطرف هو من الإيذاء والبهتان ، وقد توعد الله تعالى من يفعل ذلك ، فضلاً أنه يكون متشبهاً بالمشركين الذين سبقوه إلى هذا الفعل .
قال الله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً ) الأحزاب/58 .
وقال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ . وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ . وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ . وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ) المطففين/29 – 32 .
قال الشيخ العثيمين – رحمه الله - :
" ( وَإِذَا رَأَوْهُمْ ) أي : رأى المجرمون المؤمنين قَالُوا :
( إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ ) ضالون عن الصواب ، متأخرون ، متزمتون ، متشددون ، إلى غير ذلك من الألقاب ، ولقد كان لهؤلاء السلف خلفٌ في زماننا اليوم ، وما قبله ، وما بعده ، فمن الناس من يقول عن أهل الخير : إنهم رجعيون ، إنهم متخلفون ، ويقولون عن الملتزم : إنه متشدد ، متزمّت ، وفوق هذا كله من قالوا للرسل : إنهم سحرة أو مجانين ، قال الله تعالى : ( كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ ) الذاريات/52 ، فورثة الرسل من أهل العلم والدين سينالهم من أعداء الرسل ما نال الرسل ؛ من ألقاب السوء والسخرية ، وما أشبه ذلك ، ومن هذا تلقيب أهل البدع والتعطيل لأهل الإثبات من السلف بأنهم حَشوَّية ، مُجسِّمة ، مُشبِّهة ، وما أشبه ذلك من ألقاب السوء التي ينفرون بها الناس عن الطريق السوي .
" لقاءات الباب المفتوح " ( اللقاء رقم 30 ) .
ثالثاً :
التشدد المذموم في الدِّين هو جعل المستحب واجباً ، أو جعل المكروه محرَّماً ، وقد حذَّر النبي صلى الله عليه من الغلو في الدين ، كما أنه حذَّر من التشدد فيه ، وليس معنى الغلو والتشدد تطبيق السنة ، بل تغيير أحكامها ، والتشدد في إيجاب الأمر أو تحريمه وليس هو كذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – في شرح حديث ( لَا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ فَإِنَّ قَوْمًا شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارِ ) - :
" ففيه نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التشدد في الدين بالزيادة عن المشروع ، والتشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب ولا مستحب بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات ، وتارة باتخاذ ما ليس بمحرم ولا مكروه بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات ، وعلل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى شدد الله عليهم لذلك ، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة .
وفي هذا تنبيه على كراهة النبي صلى الله عليه وسلم لمثل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة ، وإن كان كثير من عبادنا قد وقعوا في بعض ذلك متأولين معذورين ، أو غير متأولين ولا معذورين .
وفيه أيضا تنبيه على أن التشديد على النفس ابتداء يكون سببا لتشديد آخر يفعله الله إما بالشرع وإما بالقدر ، فأما بالشرع : فمثل ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يخافه في زمانه من زيادة إيجاب أو تحريم كنحو ما خافه لما اجتمعوا لصلاة التراويح معه ، ولما كانوا يسألون عن أشياء لم تحرم ، ومثل أن من نذر شيئا من الطاعات وجب عليه فعله وهو منهي عن نفس عقد النذر ، وكذلك الكفارات الواجبة بأسباب .
وأما القدر : فكثيراً ما قد رأينا وسمعنا من كان يتنطع في أشياء فيبتلى أيضا بأسباب تشدد الأمور عليه في الإيجاب والتحريم ؛ مثل كثير من الموسوسين في الطهارات : إذا زادوا على المشروع ، ابتلوا بأسباب توجب حقيقة عليهم أشياء فيها عظيم مشقة ومضرة ."
" اقتضاء الصراط المستقيم " ( 103 ، 104 ) .

وقال الشيخ العثيمين – رحمه الله ـ في شرح حديث الرسول الله صلى الله عليه وسلم :
( إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ ؛ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ ) رواه النسائي ( 3059 ) وابن ماجه ( 3029 ) وصححه الألباني في " صحيح النسائي " - :
وفي هذا الحديث يحذر الرسول صلى الله عليه وسلم أمته من الغلو ، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك ؛ لأنه مخالف للشرع ؛ ولإهلاكه للأمم السابقة ؛ فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين :
الوجه الأول : تحذيره صلى الله عليه وسلم ، والتحذير نهي وزيادة .
الوجه الثاني : أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا ، وما كان سببا للهلاك كان محرما .
.. والناس في العبادة طرفان ووسط ؛ فمنهم المفرط ، ومنهم المفرط ، ومنهم المتوسط .
فدين الله بين الغالي فيه والجافي عنه ، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا : هذا هو الواجب ؛ فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة ، ولا التهاون وعدم المبالاة ، بل كن وسطا بين هذا وهذا .
" مجموع فتاوى الشيخ ابن عثيمين " ( 9 / 367 ، 368 ) .

رابعاً :
الحديث الذي استدل به إمامكم : فهذا الحديث رواه البخاري ( 1333 ) ومسلم ( 14 ) وليس في صحته إشكال ، لكنه أُتي من سوء فهمه له ، ولو وقف على رواياته وكلام أهل العلم لما استدل به على ما فهمه منه ، فقد جاء في رواية عند البخاري ( وعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإسْلام ) وهذه اللفظة تشمل باقي الفرائض ، وتشمل المندوبات .
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
قوله : ( فَإِذَا هُوَ يَسْأَل عَن الإِسْلام ) أي : عن شرائع الإسلام , ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام , وإنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها ، أو علم أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية , أو ذكرها ولم ينقلها الراوي لشهرتها , وإنما لم يذكر الحج إما لأنه لم يكن فرض بعد أو الراوي اختصره , ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه المصنِّف – أي : البخاري - في الصيام من طريق إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل في هذا الحديث قال : " فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام " , فدخل فيه باقي المفروضات بل والمندوبات ... .
قوله : ( وَذَكَرَ رَسُولُ الله صلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم الزَّكَاةَ ) في رواية إسماعيل بن جعفر قال : " أخبرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة , قال فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام " , فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياء أجملت , منها بيان نصب الزكاة ؛ فإنها لم تفسر في الروايتين , وكذا أسماء الصلوات , وكأن السبب فيه شهرة ذلك عندهم , أو القصد من القصة بيان أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل ... .
فإن قيل : أما فلاحه بأنه لا ينقص فواضح , وأما بأن لا يزيد فكيف يصح ؟ أجاب النووي بأنه أثبت له الفلاح لأنه أتى بما عليه ، وليس فيه أنه إذا أتى بزائد على ذلك لا يكون مفلحا , لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى .
" فتح الباري " ( 1 / 108 ) .
ونرجو من الإمام أن يتأمل لفظة " وعلمه شرائع الإسلام " ، كما نرجو أن يتأمل نهاية ما نقلناه عن الحافظ ابن حجر ، والذي أقرَّ فيه كلام الإمام النووي ، بأن الفلاَح يكون أولى لمن جاء بالواجبات وأضاف إليها المندوبات .
خامساً :
نوصيكم بالمحافظة على أوامر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، كما نوصيكم بالمحافظة على تطبيق السنن والمستحبات ، دون غلو وتشدد ، وتعليم ذلك للناس بحكمة وحسن أسلوب ، ولا يجوز لكم تنفير الناس بالتشدد فيما فيه سعة ، أو بجعل المستحبات واجبات ، أو بالتشدد في النكير على الناس ، وخاصة خاصتهم كإمام المسجد أو المفتي أو من له منزلة عند الناس ، واستمعوا لهذه النصيحة الجامعة من عالم فاضل .
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
يجب عليك الالتزام بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمحافظة عليها ، وألا تلتف إلى عذل من يعذلك ، أو يلومك في هذا ، أما أن الوالدين يلومانك في تمسكك بالسنة ويريدان منك التساهل في ذلك : فلا تطعهما في هذا الأمر ، خصوصاً إذا كانت هذه السنن من الواجبات التي يجب التمسك بها ، لا في المستحبات ، وإذا لم يصل الأمر إلى التشدد ، أما إذا كان الأمر بلغ بك إلى حد التشدد : فلا ينبغي لك ، ولكن ينبغي الاعتدال والتوسط في تطبيق السنن ، والعمل بها ، من غير غلو وتشدد ، ومن غير تساهل ولا تفريط ، هذا هو الذي ينبغي عليك ، وعلى كل حال أنت مثاب - إن شاء الله - وعليك بالتمسك بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإقناع من يلومك في هذا ، خصوصًا الوالدين ، عليك أن تتبعهما وأن ترغبهما في السنن وتبين لهما ما في ذلك من الثواب والخير ، فلعله أن يزول عنهما هذا الاعتراض أو هذا الاستغراب ، ولعله أيضاً أن يكون هذا العمل سبباً في التزامهما أيضاً بالسنن والاقتداء ، وتكون أنت داعية إلى الله عز وجل ، ولا شك أن الإنسان الذي يدعو إلى الله يجب أول ما يدعو أقاربه وأقرب الناس إليه ، والوالدان من أقرب الناس إليك .
فعلى كل حال إذا كان تمسكك بالسنن لا ينتهي إلى حد الإفراط والغلو : فهو أمر محمود ، وعليك أن تستمر عليه ، وأن تدعو إليه والديك وغيرهما ، والله أعلم .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 2 / 301 ، 302 ) .

وأخيرا : كما أن من التشدد المذموم أن ننزل المستحب منزلة الأمر الواجب ، أو المكروه منزلة المحرم ، أو نلزم أنفسنا بما لم يلزمنا الله تعالى به ؛ فكذلك من الجهل بأصول الشريعة أن نهدر الأصل العام العظيم ، وهو وجوب الألفة والمحبة بين المسلمين ، والاجتماع على حبله المتين ، وصيانة عرض المسلم من السلب والعيب ، فضلا عن العدوان والأذى والضرب ، من الجهل أن نهدر ذلك كله لأجل أن هذا تمسك بأمر مستحب ، وغيره لا يراه مستحبا ، أو لا يلتزم به ، وبالمقابل العدوان على عرض المسلم أو حقه لأجل أنه أخل بأمر يستمسك به غيره ، وبمثل ذلك ينال العدو اللعين مراده من المؤمنين ؛ فكيف لو كان ذلك في بلاد المهجر والغربة ، حيث يرانا غيرنا صورة لديننا .
روى الإمام مسلم في صحيحه (2812) عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ ) .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فأما صفة الصلاة : ومن شعائرها مسألة البسملة ؛ فإن الناس اضطربوا فيها نفيا وإثباتا : في كونها آية من القرآن ، وفي قراءتها ، وصنفت من الطرفين مصنفات يظهر في بعض كلامها نوع جهل وظلم مع أن الخطب فيها يسير . وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن شعائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنها ; إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفترقة بين الأمة وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة ... "
ثم قال : " ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات ، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا ، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تغيير بناء البيت ، لما في إبقائه من تأليف القلوب ، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر ، ثم صلى خلفه متما ، وقال : الخلاف شر . "
مجموع الفتاوى (22/405-4079) .

والله أعلم

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا