الحمد لله
التلقين هو التعليم والتفهيم ؛ والمراد بتلقين الميت أن يكون
عنده من يذكره بالنطق بـ ( لا إله إلا الله ) ، كما لو كان يُعَلِّم صبيا ويلقنه ،
والمراد بالميت هنا : المحتضَر الذي نزل به الموت .
وإنما استُحِب تلقين الميت كلمة الإخلاص في هذه الحال ، لأجل أن
يختم له بها ، وتكون آخر ما نطق به من الكلام ، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم
به ؛ فعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ )
رواه مسلم 916 .
وعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ
رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( مَنْ كَانَ آخِرُ
كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ ) رواه أحمد
(21529) وأبو داود (3116) وحسنه الألباني في "إرواء الغليل" (687) .
وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ عَادَ رَجُلا مِنْ الأَنْصَارِ فَقَالَ : ( يَا خَالُ ، قُلْ : لا إِلَهَ
إِلا اللَّهُ . قَالَ : خَالٌ أَمْ عَمٌّ ؟! قَالَ : بَلْ خَالٌ . قَالَ : وَخَيْرٌ
لِي أَنْ أَقُولَهَا ؟! قَالَ : نَعَمْ ) رواه أحمد (13414) وقال الألباني
في أحكام الجنائز : إسناده صحيح على شرط مسلم .
ولا ينبغي إيذاء المحتضر بالإكثار عليه في التلقين ، إذا قالها
ولم يتكلم بعدها بشيء
قال النووي :
" وَكَرِهُوا الإِكْثَار عَلَيْهِ وَالْمُوَالاة لِئَلا يَضْجَر
بِضِيقِ حَاله وَشِدَّة كَرْبه ، فَيَكْرَه ذَلِكَ بِقَلْبِهِ , وَيَتَكَلَّم بِمَا
لا يَلِيق . قَالُوا: وَإِذَا قَالَهُ مَرَّة لا يُكَرِّر عَلَيْهِ إِلا أَنْ
يَتَكَلَّم بَعْده بِكَلامٍ آخَر , فَيُعَاد التَّعْرِيض بِهِ لِيَكُونَ آخِر
كَلَامه " انتهى .
ولَمَّا احْتُضِرَ عبد الله بْنُ المُبَارَكِ رحمه الله ، جَعَلَ
رَجُلٌ يُلَقِّنُهُ ، قُلْ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ . فَأَكْثَرَ عَلَيْهِ .
فَقَالَ لَهُ : لَسْتَ تُحْسِنُ ! وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَ
مُسْلِماً بَعْدِي ، إِذَا لَقَّنْتَنِي ، فَقُلْتُ : لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ،
ثُمَّ لَمْ أُحْدِثْ كَلاَماً بَعْدَهَا ، فَدَعْنِي ، فَإِذَا أَحْدَثْتُ كَلاَماً
، فَلَقِّنِّي حَتَّى تَكُوْنَ آخِرَ كَلاَمِي .
"سير أعلام النبلاء" (8/418) .
ويشرع هذا التلقين ، ولو كان الميت كافرا ، لأنه لو قالها قبل
النزع نفعه قوله ، ولو عذب ما عذب بذنوبه ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ؛ فإنه من كان آخر
كلامه لا إله إلا الله عند الموت دخل الجنة يوما من الدهر ، وإن أصابه قبل ذلك ما
أصابه ) رواه ابن حبان وصححه الألباني في صحيح الجامع (5150) .
ومما يدل على أن الأمر بالتلقين يعم الكافر ، فعل النبي صلى الله
عليه وسلم مع عمه أبي طالب ، ومع الغلام اليهودي الذي كان يخدمه .
فقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم موت عمه أبي طالب ، وقال له :
( أَيْ عَمِّ ، قُلْ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا
عِنْدَ اللَّهِ ) رواه البخاري (3884) ومسلم (24) .
وحضر النبي صلى الله عليه وسلم موت الغلام اليهودي الذي كان
يخدمه ، وقال له : ( أَسْلِمْ - وفي رواية أحمد (12381) : قُلْ : لا إِلَهَ إِلا
اللَّهُ - ) رواه البخاري (1356) .
فائدتان عن الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
أولا : هل يكون التلقين بلفظ الأمر ؛ بمعنى أن الملقن يأمر
المحتضر ، فيقول له : قل : لا إله إلا الله ، أو يتلفظ بها أمامه بحيث يتذكرها إذا
سمع من يقولها بجانبه ؟
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" ينبغي في هذا أن ينظر إلى حال المريض ، فإن كان المريض قوياً
يتحمل ، أو كان كافراً فإنه يؤمر ، فيقال : قل : لا إله إلا الله ، اختم حياتك بلا
إله إلا الله ، وما أشبه ذلك .
وإن كان مسلماً ضعيفاً فإنه لا يؤمر ، وإنما يذكر الله عنده حتى
يسمع فيتذكر ، وهذا التفصيل مأخوذ من الأثر ، والنظر .
أما الأثر فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمه أبا طالب عند
وفاته أن يقول : لا إله إلا الله ، قال : يا عم قل : لا إله إلا الله .
وأما النظر : فلأنه إن قالها فهو خير ، وإن لم يقلها فهو كافر ،
فلو فرض أنه ضاق صدره بهذا الأمر ولم يقلها فهو باق على حاله لم يؤثر عليه شيئاً ،
وكذا إذا كان مسلماً وهو ممن يتحمل فإن أمرناه بها لا يؤثر عليه ، وإن كان ضعيفاً
فإن أمرناه بها ربما يحصل به رد فعل بحيث يضيق صدره ، ويغضب فينكر وهو في حال فِراق
الدنيا ، فبعض الناس في حال الصحة إذا قلت له قل : لا إله إلا الله ، قال : لن أقول
: لا إله إلا الله ، فعند الغضب يغضب بعض الناس حتى ينسى ، فيقول : لا أقول : لا
إله إلا الله ، فما بالك بهذه الحال ؟
ثانيا : " تلقينه لا إله إلا الله" ولم نقل : محمد رسول الله ؛
لأن هذا هو الذي ورد فيه الحديث : "لقّنوا موتاكم لا إله إلا الله" ، وقال النبي
صلى الله عليه وسلم : "من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة" .
فكلمة التوحيد مفتاح الإِسلام ، وما يأتي بعدها فهو من مكملاتها وفروعها .
ولو جمع بين الشهادتين ؛ فقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله
، لا يمنع هذا من أن يكون آخر كلامه من الدنيا "لا إله إلا الله" ؛ لأن الشهادة
للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة تابع لما قبلها ومتممٌ له ، ولهذا جعلها النبي
صلى الله عليه وسلم مع الشهادة لله بالألوهية ركناً واحداً ، فلا يعاد تلقينه ،
وظاهر الأدلة أنه لا يكفي قول المحتضَر : أشهد أن محمداً رسول الله ، بل لا بد أن
يقول : لا إله إلا الله " انتهى من "الشرح الممتع" (5/177) .
وقد يستدل على أمر المسلم بها إذا كان قوي الإيمان بحديث
الأنصاري المتقدم وفيه أمره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ له بقول لا إله إلا
الله ( يَا خَالُ ، قُلْ : لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ ) .
وكذلك قول الطبيب لعمر بن الخطاب بعدما سقاه اللبن : ( فَخَرَجَ
اللَّبَنُ مِنْ الطَّعْنَةِ صَلْدًا أَبْيَضَ ، فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ : يَا
أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اعْهَدْ ! فَقَالَ عُمَرُ : صَدَقَنِي ، وَلَوْ قُلْتَ
غَيْرَ ذَلِكَ كَذَّبْتُكَ ، فَبَكَى عَلَيْهِ الْقَوْمُ حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ ،
فَقَالَ : لا تَبْكُوا عَلَيْنَا ، مَنْ كَانَ بَاكِيًا فَلْيَخْرُجْ ، أَلَمْ
تَسْمَعُوا مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
يُعَذَّبُ الْمَيِّتُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ ) .
رواه أحمد (296) . قال أحمد شاكر : إسناده صحيح .
فواجهه بهذا الأمر .