الحمد لله
بول الإنسان نجس ، يجب التطهر منه ، سواء كان صغيراً أو كبيراً ،
غلاماً أو جاريةً ، إلا أنه خفف في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام ، فاكتفي في
تطهيره بالنضح (أي : الرش) ، لما روى البخاري (223) ومسلم (287) عَنْ أُمِّ قَيْسٍ
بِنْتِ مِحْصَنٍ رضي الله عنها ( أَنَّهَا أَتَتْ بِابْنٍ لَهَا صَغِيرٍ لَمْ
يَأْكُلْ الطَّعَامَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ،
فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجْرِهِ ،
فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ ، فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ) .
وروى الترمذي (610) وابن ماجه (525) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي
طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ : ( يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلامِ ،
وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ ) . قَالَ قَتَادَةُ : وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا
، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلا جَمِيعًا . صححه الألباني في صحيح الترمذي .
وهذا الحديث دليل عل التفريق بين بول الغلام الجارية ، فبول
الغلام يكفي فيه الرش ، وبول الجارية لا بد من غسله .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " والنضح : أن تُتبعه الماء
دون فرك ، أو عصر حتى يشمله كله . . .
فإن قيل : ما الحكمة أن بول الغلام الذي لم يطعم يُنضح ، ولا
يغسل كبول الجارية ؟
أجيب : أن الحكمة أن السنة جاءت بذلك ، وكفى بها حكمة ، ولهذا
لما سئلت عائشة رضي الله عنها : ما بال الحائض تقضي الصوم ، ولا تقضي الصلاة ؟
فقالت : ( كان يصيبنا ذلك على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ،
ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) .
ومع ذلك التمس بعض العلماء الحكمة في ذلك :
فقال بعضهم : الحكمة في ذلك التيسير على المكلف ، لأن العادة أن
الذكر يحمل كثيرا ، ويفرح به ، ويحب أكثر من الأنثى ، وبوله يخرج من ثقب ضيق ، فإذا
بال انتشر ، فمع كثرة حمله ، ورشاش بوله يكون فيه مشقة ؛ فخفف فيه .
وقالوا أيضا : غذاؤه الذي هو اللبن لطيف ، ولهذا إذا كان يأكل
الطعام فلا بد من غسل بوله ، وقوته على تلطيف الغذاء أكبر من قوة الجارية .
وظاهر كلام أصحابنا (الحنابلة) أن التفريق بين بول الغلام
والجارية أمر تعبدي .
وغائط هذا الصبي كغيره لا بد فيه من الغسل .
وبول الجارية والغلام الذي يأكل الطعام كغيرهما ، لا بد فيهما من
الغسل " انتهى من "الشرح الممتع" (1/372) .
وأما سن الغلام الذي يكتفى فيه بالرش ، فقد سبق قول قتادة :
وَهَذَا مَا لَمْ يَطْعَمَا ، فَإِذَا طَعِمَا غُسِلا جَمِيعًا . والمراد بذلك أنه
يشتهي الطعام ويتغذى به ويطلبه ، وليس المراد أنه يأكل ما يوضع في فمه .
قال ابن القيم رحمه الله : " إنما يزول حكم النضح إذا أكل الطعام
وأراده واشتهاه تغذياً به " انتهى من "تحفة المودود بأحكام المولود" (ص 190)
.
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله : " ليس المراد امتصاصه ما
يوضع في فمه وابتلاعه ، بل إذا كان يريد الطعام ويتناوله ويشرئب إليه (أي : يتطلع
إليه ويطلبه) ، أو يصيح أو يشير إليه ، فهذا هو الذي يطلق عليه أنه يأكل الطعام )
انتهى من مجموع فتاويه (2/95) .