الحمد لله
أولاً :
لا يجوز لأحد أن يفتي في دين الله تعالى بغير علم ، ويجب أن يعلم
خطورة فعله هذا ، والله تعالى حرم ذلك بقوله : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ
الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ
تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ ) الأعراف/33
فلا يحل لأحد أن يقول : هذا حلال ، وهذا حرام ، وليس عنده دليل
صحيح على ذلك ، قال الله تعالى : ( وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ
الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ
إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ )
النحل/116
ثانياً :
بيع لحم الخنزير حرام سواء بيع لمسلم أو لكافر ، والأدلة على ذلك
:
قول الله تعالى : ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ
مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً
مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ
اللَّهِ بِهِ ) الأنعام/145 ، وقد عَلَّمنا الرسول صلى الله عليه وسلم قاعدةً
عظيمةً ، فقال : ( إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه ) رواه أبو داود (
3488 ) وصححه الشيخ الألباني في " غاية المرام " ( 318 )
2- عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول عام الفتح وهو بمكة : ( إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة
والخنزير والأصنام ) . فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلى بها
السفن ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ؟ فقال : ( لا ، هو حرام ) . ثم قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : ( قاتل الله اليهود إن الله لما حرم شحومها
جملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه . رواه البخاري ( 1212 ) ومسلم ( 1581 ) .
جملوه : أذابوه .
قال النووي :
وأما الميتة والخمر والخنزير : فأجمع المسلمون على تحريم بيع كل
واحد منها .
قال القاضي : تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا
يجوز بيعه , ولا يحل أكل ثمنه , كما في الشحوم المذكورة في الحديث .
" شرح مسلم " ( 11 / 8 ) .
قال ابن رجب الحنبلي – بعد أن ساق أحاديث في تحريم بيع الخمر - :
فالحاصل من هذه الأحاديث كلها : أن ما حرم الله الانتفاع به فإنه
يحرم بيعه وأكل ثمنه كما جاء مصرحا به في : ( إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه )
، وهذه كلمة عامة جامعة تطرد في كل ما كان المقصود من الانتفاع به حراما ، وهو
قسمان :
أحدهما : ما كان الانتفاع به حاصلا مع بقاء عينه ، كالأصنام ،
فإن منفعتها المقصودة منها الشرك بالله وهو أعظم المعاصي على الإطلاق ، ويلتحق بذلك
كتب الشرك والسحر والبدع والضلال ، وكذلك الصور المحرمة وآلات الملاهي المحرمة ،
وكذلك شراء الجواري للغناء ...
والقسم الثاني : ما ينتفع به مع إتلاف عينه ، فإذا كان المقصود
الأعظم منه محرّماً : فإنه يحرم بيعه ، كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن
في بعضها - كأكل الميتة للمضطر ودفع الغصة بالخمر وإطفاء الحريق به والخرز بشعر
الخنزير عند قوم والانتفاع بشعره وجلده عند من يَرَى ذلك - ولكن لما كانت هذه غير
مقصودة لم يعبأ بها وحرم البيع ، ولكن المقصود الأعظم من الخنزير والميتة : أكلها ،
ومن الخمر شربها ، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك ، وقد أشار صلى الله عليه وآله وسلم
إلى هذا المعنى لما قيل له : أرأيت شحوم الميتة فإنها يطلي بها السفن ويدهن بها
الجلود ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا هو حرام ...
" جامع العلوم والحكَم " ( 1 / 415 ، 416 ) .
وقد سئلت اللجنة الدائمة : هل تجوز المتاجرة في الخمور والخنازير
إذا كان لا يبيعها لمسلم ؟
فأجابت : " لا يجوز المتاجرة فيما حرم الله من الأطعمة وغيرها ،
كالخمور والخنزير ولو مع الكفرة ؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إن
الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ) ولأنه صلى الله عليه وسلم لعن الخمر وشاربها وبائعها
ومشتريها وحاملها والمحمولة إليه وآكل ثمنها وعاصرها ومعتصرها " اهـ .
فتاوى اللجنة الدائمة (13/49)
ثالثاً :
وأما قول السائل : ( إن بيع لحم الخنزير لغير المسلمين غير محرم
، ولم يرد نص في القرآن ولا في السنة لتحريم بيعه على غير المسلمين ) ، فغير صحيح ،
فقد سبق أدلة القرآن والسنة وإجماع العلماء على تحريم بيع الخنزير ، والأدلة
بعمومها تدل على تحريم بيعه على المسلمين والكفار ، لأن الأدلة دلت على تحريم بيعه
تحريماً عاماً ، ولم تفرق بين المسلمين وغيرهم .
بل لو قيل : إن المقصود من تحريم بيعه هو بيعه على الكفار أصالةً
لم يكن ذلك بعيداً ، لأن الأصل في المسلم أنه لن يشتري الخنزير ، وماذا يفعل به ،
وهو يعلم أن الله حرَّمه ؟!
وكذلك قوله : ( إن لحم الخنزير متواجد من أيام الرسول صلى الله
عليه وسلم ، ولو أراد تحريمه ولعنه لفعل كما فعل بالخمر ) غير صحيح .
لأنه لا يُشترط من تحريم الشيء أن يلعن الرسول صلى الله عليه
وسلم مَنْ فَعَلَه ، بل يكفي أنه ينهى عنه ، أو يخبر أنه حرام . كما حرم بيع
الخنزير
رابعاً :
وأما أخذكم هذه الأموال فالأجدر بكم بعد علمكم بأنه مال حرام
التنزه والبعد عنه .
لاسيما وأخذكم هذا المال سيكون كالإقرار منكم لصاحب الشركة على
هذا العمل ، والواجب عليكم نصحه ، والإنكار عليه ووعظه لترك هذا العمل المحرم ، ومن
ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .
وأما ما أخذتم من هذه الأموال قبل علمكم بالتحريم ، فلا حرج فيه
إن شاء الله تعالى ، قال الله تعالى في آيات تحريم الربا : ( فَمَنْ جَاءَهُ
مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ )
البقرة/275
راجع السؤال رقم ( 2429
) و ( 8196 )
نسأل الله تعالى أن يرزقكم حلالاً مباركاً فيه .
والله أعلم .