الحمد لله
يجب على الرجل أن ينفق على والديه وأولاده إذا احتاجوا وكانوا
فقراء .
قال الخرقي – رحمه الله -:
( ويجبر الرجل على نفقة والديه ، وولده ، الذكور والإناث ، إذا
كانوا فقراء ، وكان له ما ينفق عليهم ) .
قال ابن قدامة – رحمه الله - :
الأصل في وجوب نفقة الوالدين والمولودين الكتاب والسنة والإجماع
؛ أما الكتاب فقول الله تعالى : ( فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ ، أوجب أجر رضاع الولد على أبيه ، وقال سبحانه : ( وَعَلَى
الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) ، وقال سبحانه : (
وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) ،
ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند حاجتهما .
ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم لهند : ( خذي ما
يكفيك وولدك بالمعروف ) متفق عليه .
وروت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (
إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه ) رواه أبو داود (3528)
وصححه الألباني في إرواء الغليل .
وأما الإجماع : فحكى ابن المنذر قال : أجمع أهل العلم على أن
نفقة الوالدين الفقيرين اللذين لا كسب لهما ، ولا مال ، واجبة في مال الولد ، وأجمع
كل من نحفظ عنه من أهل العلم ، على أن على المرء نفقة أولاده الأطفال الذين لا مال
لهم .
" المغني " ( 8 / 169 ، 170 ) .
وهذه النفقة الواجبة على الأب لها شروط ، منها : أن يكون الابن
محتاجاً إلى المال ولا يستطيع الاكتساب عاجزاً عن الكسب لصغره أو مرضه أو غير ذلك ،
وأن يكون الأب قادراً على الإنفاق .
قال ابن قدامة – رحمه الله - :
ويشترط لوجوب الإنفاق ثلاثة شروط :
أحدها : أن يكونوا فقراء , لا مال لهم ولا كسب يستغنون به عن
إنفاق غيرهم ، فإن كانوا موسرين بمال أو كسب يستغنون به : فلا نفقة لهم ؛ لأنها
تجب على سبيل المواساة ، والموسر مستغن عن المواساة .
الثاني : أن يكون لمن تجب عليه النفقة ما ينفق عليهم , فاضلا
عن نفقة نفسه ، إما من ماله وإما من كسبه ، فأما من لا يفضل عنه شيء , فليس عليه
شيء لما روى جابر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم – قال : ( إذا كان أحدكم
فقيرا فليبدأ بنفسه , فإن فضل فعلى عياله فإن كان فضل , فعلى قرابته ) وفي
لفظ : ( ابدأ بنفسك ثم بمن تعول ) حديث صحيح ، وروى أبو
هريرة ( أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم – فقال : يا رسول الله
عندي دينار قال : تصدق به على نفسك ، قال : عندي آخر ، قال : تصدق به على
ولدك ، قال : عندي آخر ، قال : تصدق به على زوجك ، قال: عندي آخر ، قال
: تصدق به على خادمك ، قال : عندي آخر قال :
أنت أبصر ) رواه أبو داود (1691) قال الشيخ الألباني : حسن في سنن أبي
داود .
ولأنها مواساة فلا تجب على المحتاج كالزكاة .
الثالث : أن يكون المنفِق وارثا لقول الله تعالى : ( وَعَلَى
الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ) ؛ ولأن بين المتوارثين قرابة تقتضى كون الوارث أحق
بمال الموروث من سائر الناس فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم .
" المغني " ( 8 / 168 ، 169 ) .
فالواجب على الأب أن ينفق على ابنه ما يحتاجه حتى يستغنى وقد نص
العلماء رحمهم الله على أن من النفقة الواجبة للابن على أبيه أن يزوجه إذا احتاج
إلى الزواج .
قال ابن قدامة – رحمه الله - :
قال أصحابنا : وعلى الأب إعفاف ابنه إذا كانت عليه نفقته ,
وكان محتاجا إلى إعفافه ، وهو قول بعض أصحاب الشافعي .
" المغني " ( 8 / 172 ) .
وقال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
حق الابن على أبيه ينتهي بمجرد استغنائه عنه ، إذا كبر واستطاع
أن يكتسب لنفسه وأن يستغني بكسبه : فإنه ينتهي حقه على والده في الإنفاق ، أما
مادام أنه صغير أو كبير ولكنه لم يستغن ولم يقدر على الاكتساب : فإنه يبقى على
والده حق الإنفاق عليه حتى يستغني ، وذلك بموجب القرابة .
" المنتقى من فتاوى الشيخ الفوزان " ( 3 / 240 ) .
فالخلاصة : أنه يجب على الوالد أن يتقي الله فيما استرعاه من
رعية ، فإن كان قادراً على نفقة ولده في التعليم والعلاج وغير ذلك مما يحتاجه الابن
فلا يجوز له التقصير فيها .
والنصيحة لكم قبل رفع القضية إلى المحكمة أن توسطوا أهل الخير
والصلاح ليقوموا بنصح الأب ووعظه ، والإصلاح بينه وبين ولده ، فبذله للنفقة عن طيب
نفسي بعيداً عن المحاكم أقرب إلى سلامة قلب الأب ورضاه عن ولده .
والنصيحة كذلك للابن أن يبحث عن عمل يستغني به عن نفقة والده –
لاسيما وقد بلغ الابن مبلغ الرجال – ويحاول الجمع بين العمل والدراسة ، وهو أمر
يسير ، قد فعله من قبل كثيرون ، ومن يستغن يغنه الله .
فإن تعذر ذلك وأصر الأب على موقفه ، فلا بأس في هذه الحال من رفع
الأمر إلى القاضي الشرعي ليقوم بإلزام الأب بما يجب عليه شرعاً . وكلما كان الأمر
أبعد عن المحاكم والخصومات كان أولى .
والله أعلم .