الأحد 9 جمادى الآخر 1439 - 25 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


127335: التقصير الذي يعذب عليه في الوضوء هو التقصير في الواجبات


السؤال: ( أمر بعبد من عبيد الله أن يجلد في قبره مائة جلدة فما زال يسأل الله عز وجل حتى صارت جلدة فلما ضرب اشتعل عليه قبره نارا فلما أفاق قال: علام جلدتموني؟ فقيل له: إنك صليت صلاة من غير طهور ومررت على مظلوم فلم تنصره ) . فهل التهاون في الوضوء معناه عدم استكماله ، أو نسيانه شيئا منه ولم يعد الوضوء ، أو المسح على الجوارب بداعي البرد ( مبررات ) ? وهل يعذب الله عبدا بسبب صلاة بدون استكمال وضوء حتى لو كان ناسيا ?

تم النشر بتاريخ: 2009-06-07

الجواب:

الحمد لله

أولا :

الحديث المذكور في السؤال رواه عبد الرزاق في مصنفه (3/588) وابن أبي شيبة في مصنفه (13/413) وهناد في الزهد (362) ، وغيرهم ، عن أبي إسحاق [ هو السبيعي ] ، عن عمرو بن شرحبيل ، به .

وعمرو بن شرحبيل تابعي كوفي ثقة ، روى عن عمر وعلي وابن مسعود وغيرهم .

ولم يصرح عمرو بن شرحبيل برفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما ذكره من قوله ، ولو صرح برفعه : لكان حديثا مرسلا ، والمرسل من أنواع الحديث الضعيف .

ومعلوم أن مثل هذا الأمر الغيبي لا يعتمد فيه إلا على نص كتاب ، أو حديث صحيح من كلام النبي صلى الله عليه وسلم ، لا سيما وفي متنه غرابة ، بل نكارة ، يُتَأَنى في مثلها !!

 

وقد روى الطحاوي هذا الحديث بإسناده : حدثنا فَهْدُ بن سُلَيْمَانَ قال ثنا عَمْرُو بن عَوْنٍ الْوَاسِطِيُّ قال حدثنا جَعْفَرُ بن سُلَيْمَانَ عن عَاصِمٍ عن شَقِيقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، به .

شرح مشكل الآثار (8/212، رقم 3185)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (23/299).

قال الشيخ الألباني رحمه الله ـ السلسلة الصحيحة (2774) ـ :

" وهذا إسناد جيد رجاله كلهم ثقات من رجال التهذيب ، غير فهد هذا ، وهو ثقة ثبت .." اهـ

والواقع أن ذكر جعفر بن سليمان في الإسناد غلط ؛ حيث لم يذكره أحد في الرواة عن عاصم ، ولم يذكر أحد عمرو بن عون الواسطي في الرواة عنه ، والصواب في الإسناد : حدثنا حفص بن سليمان عن عاصم ، وحفص هو القارئ المشهور ، صاحب عاصم ، وقد روى عنه عمرو عون الواسطي ، وما في إسناد الطحاوي هو مجرد تحريف من النساخ ، لقرب رسم الاسمين : حفص ، وجعفر!!

ومما يؤكد ذلك أمران :

الأول : أن الحافظ ابن رجب رحمه الله صرح بأن المذكور في هذا الإسناد هو حفص بن سليمان القارئ ؛ فقال بعد أن ذكر الأثر من قول أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل، كما قدمناه :

" ورويناه من طريق حفص بن سليمان القارئ ، وهو ضعيف جدا ، عن عاصم ، عن أبي وائل ، عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم" . انتهى . "أهوال القبور" (85) .

الثاني : أن الحافظ عبد الحق الأشبيلي رحمه الله ، قد نقل هذا الحديث المرفوع من طريق الطحاوي ، فقال : " الطحاوي : حدثنا فهد بن سليمان ، ثنا عمرو بن عون الواسطي ، ثنا ( حفص ) بن سليمان ، عن عاصم ، عن شقيق ، عن ابن مسعود ، عن النبي.. " .

"الأحكام الشرعية" ( 3/208)

قال محقق الأحكام، تعليقا على ذكر حفص في الإسناد : "تحرفت في مشكل الآثار إلى جعفر".

فإذا تبين أن الصواب في الإسناد : حفص بن سليمان ، عن عاصم .. ، علم أن الحديث المرفوع ضعيف جدا ، لحال حفص هذا ، فهو متروك الحديث ، كما قال غير واحد من الأئمة ، ولأجل ذلك صرح الحافظ ابن رجب بضعفه ، كما نقلناه عنه .

ينظر ترجمة حفص بن سليمان في : التاريخ الكبير ، للبخاري (2/363) ، الضعفاء والمتروكين ، للنسائي (167) ، ميزان الاعتدال، للذهبي (1/558) .

 

ثانيا :

إسباغ الوضوء والمحافظة عليه من المهمات التي ينبغي للمسلم الاعتناء بها ، فالصلاة عمود الدين ، والوضوء شرط من شروط صحتها ، من تهاون به فقد تهاون في صلاته .

وقد روى مسلم في صحيحه (223) عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا ) .

وفي رواية النسائي (2437) : ( إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ شَطْرُ الْإِيمَانِ .. ) .

 

وقد ورد في الأحاديث الصحيحة من الوعيد ما يخوف المسلم من التقصير في الوضوء :

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ :

( تَخَلَّفَ عَنَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي سَفْرَةٍ سَافَرْنَاهَا ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقَتْنَا الصَّلاَةُ وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا ، فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ : وَيْلٌ لِلأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ . مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا ) رواه البخاري (60) ومسلم (241).

قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله :

" الحديث فيه دليل على وجوب تعميم الأعضاء بالمطهر ، وأنَّ ترك البعض منها غير مجزئ " انتهى.

" إحكام الأحكام " (ص/17) .

شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

" فالمسلم لا يصلي إلى غير القبلة ، أو بغير وضوء أو ركوع أو سجود ، ومَن فعل ذلك كان مستحقا للذم والعقاب " انتهى.

" منهاج السنة النبوية " (5/204) .

وهذا الذم والعقاب إنما هو فيمن علم أنه على غير وضوء ، أو أن طهارته ناقصة ، أو فرط ولم يعتن بطهارته ، ولم يتفقد ما يحتاج إلى تفقد وعناية ؛ قال ابن جُزَيّ الغرناطي رحمه الله : " ويأثم في العمد إجماعا " . القوانين الفقهية (74) .

فأما من لم يعلم بحدثه ، أو نقصان طهارته ، فهذا لا ذم عليه ولا عقاب ، وكذلك الناسي الذي يترك بعض الواجبات سهوا ولا يتذكرها بعد ذلك : فهو معذور عند الله عز وجل ، فقد استجاب سبحانه دعاء المؤمنين حين قالوا : ( رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) البقرة/286، فقال عز وجل كما في الحديث القدسي في " صحيح مسلم " (126): ( قَدْ فَعَلتُ ) . وإن كان يجب عليه إن يعيد صلاته ، إذا علم بذلك .

َسُئِلَ شيخ الإسلام ابن تيمية :

" عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِغَيْرِ وُضُوءٍ إمَامًا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لَا يَعْلَمُ بِهَا : فَهَلْ صَلَاتُهُ جَائِزَةٌ ؟ أَمْ لَا ؟ وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ جَائِزَةً: فَهَلْ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَهُ تَصِحُّ ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ".

فَأَجَابَ رحمه الله :

" أَمَّا الْمَأْمُومُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِحَدَثِ الْإِمَامِ أَوْ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَيْهِ حَتَّى قُضِيَتْ الصَّلَاةُ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَكَذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَد إذَا كَانَ الْإِمَامُ غَيْرَ عَالِمٍ وَيُعِيدُ وَحْدَهُ إذَا كَانَ مُحْدِثًا . وَبِذَلِكَ مَضَتْ سُنَّةُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ فَإِنَّهُمْ صَلَّوْا بِالنَّاسِ ثُمَّ رَأَوْا الْجَنَابَةَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَأَعَادُوا وَلَمْ يَأْمُرُوا النَّاسَ بِالْإِعَادَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ " . انتهى . "مجموع الفتاوى" (23/369) .

 

وأما ما ذكر في السؤال من المسح على الجوربين بداعي البرد ، أو مبررات أخرى ، فهذا أمر لا ينكر على فاعله ، ما دام قد لبس الجوربين على طهارة ، بعد غسل القدمين ، فله أن يمسح عليهما يوما وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، وهذا من توسعة الله على عباده ، ولا يشترط لذلك المسح أن يكون الجو باردا ، أو أن يتعذر عليه الخلع ، أو نحو ذلك من الأعذار ؛ فالمسلم لا يحتاج مبررا لكي يترخص بتلك الرخصة ، بل أن يفعل ذلك في حال السعة ، كما له أن يفعله في حال الشغل والسفر ، لا سيما إن كان ذلك أرفق به ، وأوفق لحاله ، وأبعد له عن التكلف والمشقة .

وينظر جواب السؤال رقم (117743) .

والخلاصة :  أنه كما لا يجوز للمسلم التهاون في أداء الوضوء الصحيح ، لا يجوز أن يصل به الأمر إلى حد الوسوسة ، والتوسط بين هذين الطرفين يكون باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في العبادات جميعها .

وانظر في شرح ذلك في موقعنا جواب السؤال رقم : (11497) ، (102461)

 

 

والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا