الاثنين 10 ذو القعدة 1439 - 23 يوليو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


163383: تكفير الذنب بفعل الحسنات دليل على أنه من الصغائر


السؤال : كيف نفهم الحديث الآتي – في ضوء أن الصلاة تكفر الصغائر ولا تكفر الكبائر التي فيها حدود – : عن أنس رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له : يا رسول الله ! ارتكبت خطيئة توجب إقامة الحد علي فطهرني . وكان وقت إقامة الصلاة ، فانتظر الرجل ليصلي مع الرسول صلى الله عليه و سلم ، وعندما انتهت الصلاة ذهب الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكرر ما قاله للنبي من قبل ، وقال : يا رسول الله ! لقد ارتكبت خطيئة التي يقام فيها الحد فطبقها علي كما في كتاب الله .فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم : هل صليت معنا ؟ قال الرجل : نعم . فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم : فقد غفر الله لك حقا . رواه البخاري ومسلم .

تم النشر بتاريخ: 2011-05-04

الجواب :
الحمد لله
أولا :
أشهر الأحاديث الصحيحة الواردة في هذه القصة حديثان اثنان :
الحديث الأول : ما يرويه أبو عثمان النهدي عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلاً أَصَابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةً ، فَأَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ( أَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )، فَقَالَ الرَّجُلُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَلِي هَذَا ؟ قَالَ : لِجَمِيعِ أُمَّتِي كُلِّهِمْ )
رواه البخاري (رقم/526، ورقم/4687)، ومسلم (2763).
وفي هذا الحديث قال : ( أصاب من امرأة قُبلة )، أي فعلا دون الزنا الكامل ، يوضح ذلك بعض ألفاظ رواية الإمام مسلم رحمه الله للحديث ، حيث جاء فيها : ( أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة ).
الحديث الثاني : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : ( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ . قَالَ : وَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! إِنِّي أَصَبْتُ حَدًّا ، فَأَقِمْ فِيَّ كِتَابَ اللَّهِ . قَالَ : هَلْ حَضَرْتَ الصَّلَاةَ مَعَنَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : قَدْ غُفِرَ لَكَ )
رواه البخاري (6823)، ومسلم (2764)، ونحوه (رقم/2765) عن أبي أمامة رضي الله عنه.
فكان تعبير الرجل في هذا الحديث مجملا حيث قال : ( أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ ).
هذا وللحديثين روايات متعددة ، ومخارج متنوعة ، ومراسيل تشهد لها ، لم نشأ الإطالة بذكرها خشية الإملال .

ثانيا :
في مسائل هذين الحديثين قضايا محل اتفاق بين أكثر أهل العلم ، وأخرى محل اختلاف :
أما المتفق عليه بين أكثر العلماء فهو :
1- أن الحسنات والأعمال الصالحة تكفر صغائر الذنوب ، وتمحو عن صاحبها الإثم والمعصية ، وذلك لأدلة كثيرة مشتهرة في الكتاب والسنة ، منها قول الله جل وعلا : ( إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ )، ولكن الحسنات لا تكفر كبائر الذنوب ؛ وإنما تكفرها التوبة الصادقة أو إقامة الحد الشرعي .
قال الإمام النووي رحمه الله :
" أجمع العلماء على أن المعاصي الموجبة للحدود لا تسقط حدودها بالصلاة " انتهى من " شرح مسلم " (17/81)، وقد نقل الحافظ ابن رجب في " فتح الباري " وفي " جامع العلوم والحكم " خلافا لبعض أهل العلم في هذه المسألة دون أن يسميهم، لذلك اخترنا التعبير بقولنا : اتفق أكثر أهل العلم.
2- أن لمس المرأة الأجنبية بشهوة وتقبيلها ليس من كبائر الذنوب التي تستوجب حد الزنا المذكور في القرآن الكريم ، وإنما هو إثم ، يعزر عليه القاضي الشرعي .
قال ابن عبد البر رحمه الله :
" قول الله عز وجل : ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) نزلت في رجل أصاب من امرأة ما ليس بكبيرة " انتهى من " التمهيد " (17/393)
وقال ابن بطال رحمه الله :
" دل هذا الحديث أن القُبلة وشبهها مما أصابه الرجل من المرأة غير الجماع - كل ذلك من الصغائر التي يغفرها الله باجتناب الكبائر ، والصغائر هي من اللمم التي وعد الله مغفرتها لمجتنب الكبائر بقوله تعالى : ( الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ) النجم/32، وهذه الآية تفسير قوله: ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) هود/114، وأما الكبائر: فأهل السنة مجمعون على أنه لا بد فيها من التوبة والندم والإقلاع واعتقاد أن لا عودة فيها " انتهى من " شرح صحيح البخاري " لابن بطال (2/155)
وقال الحافظ ابن رجب رحمه الله :
" هذا الذنب الذي أصابه ذلك الرجل وسأل عنه النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزلت الآية بسببه كان من الصغائر " انتهى من " فتح الباري " لابن رجب (4/205)

على أنه مما يجب الانتباه إليه ، والاهتمام به هنا : أن صاحب الصغيرة إذا أصر على معصيته ، ولم يُتبِعها بالتوبة والإنابة ، انقلبت في حقه كبيرة ، أو أوشكت ، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما : لا صغيرة مع الإصرار ؛ بل ربما كانت أضر على صاحبها من كبيرة ألم بها ، ثم لم يعد إليها .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" الزِّنَا مِنْ الْكَبَائِرِ وَأَمَّا النَّظَرُ وَالْمُبَاشَرَةُ فَاللَّمَمُ مِنْهَا مَغْفُورٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى النَّظَرِ أَوْ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ صَارَ كَبِيرَةً وَقَدْ يَكُونُ الْإِصْرَارُ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ قَلِيلِ الْفَوَاحِشِ فَإِنَّ دَوَامَ النَّظَرِ بِالشَّهْوَةِ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ الْعِشْقِ وَالْمُعَاشَرَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ قَدْ يَكُونُ أَعْظَمَ بِكَثِيرِ مِنْ فَسَادِ زِنَا لَا إصْرَارَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ فِي الشَّاهِدِ الْعَدْلِ: أَنْ لَا يَأْتِيَ كَبِيرَةً وَلَا يُصِرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (15/293) .

ثالثا :
وقع الاختلاف بعد ذلك بين العلماء في توجيه حديث أنس بن مالك وأبي أمامة الذي قال فيه الرجل : ( أصبت حدا )، فانقسموا فيه إلى مسلكين :
المسلك الأول : تأويل الحديث ، وعدم التسليم بأن مقصد الرجل هو الوقوع في الكبيرة ، والقرينة الباعثة على هذا التأويل هو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الرجل بتكفير ذنبه بسبب صلاته مع جماعة المسلمين ، والكبائر لا تكفرها الصلاة ، وإنما تكفرها التوبة أو الحد ، كما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : ( الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ ) رواه مسلم (233)، وكما سبق نقل الإجماع على ذلك في كلام الإمام النووي رحمه الله .
ولذلك قال بعض أصحاب هذا المسلك في تفسير الحديث :
أن الرجل يريد أنه وقع في معصية من المعاصي تستحق التعزير ، والتعزير يسمَّى حدا بالمعنى العام ، وليس المقصود أنه وقع في فاحشة الزنا التي تستوجب الجلد أو الرجم .
قال الإمام النووي رحمه الله :
" هذا الحد معناه : معصية من المعاصي الموجبة للتعزير ، وهى هنا من الصغائر ؛ لأنها كفرتها الصلاة ، ولو كانت كبيرة موجبة لحد أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة...هذا هو الصحيح في تفسير هذا الحديث " انتهى باختصار من " شرح مسلم " (17/81)
ونقل الحافظ ابن حجر تأويلات أخرى لأصحاب هذا المسلك في تفسير الحديث ، فقال رحمه الله :
" لعله ظن ما ليس بحد حدًّا ، أو استعظم الذي فعله فظن أنه يجب فيه الحد " انتهى من " فتح الباري " (12/134)
وقال أيضا :
" لعل الرجل ظن أن كل خطيئة فيها حد ، فأطلق على ما فعل حدا " انتهى من " فتح الباري " (8/356)
المسلك الثاني : حمل الحديث على ظاهره ، وأن هذا الصحابي قد وقع في كبيرة الزنا التي تستوجب الحد الشرعي .
وقد خاض أصحاب هذا الاتجاه في تعليل ترك النبي صلى الله عليه وسلم إقامة الحد على من أقر به ، وهو خوض لا يعنينا كثيرا في هذا الجواب المختصر ، ومن أراد التوسع فيه فليرجع إلى الكلام عليه في أبواب العقوبات من كتب الفقه وشروح الحديث .
والأهم – في خصوص جواب السؤال - هو كيف أجاب أصحاب هذا القول على حجة من قال بتأويل الحديث ، وكيف كانت صلاة الجماعة سببا في تكفير كبيرة الزنا .
فالذي وقفنا عليه في هذا الشأن أن بعضهم جعل الحديث خاصا بذلك الرجل ، وأن تكفير كبيرة الزنا بالصلاة فضلٌ خاصٌّ به ، أطلع الله عز وجل نبيه عليه ، ولا يقاس عليه غيره .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" يحتمل أن يختص ذلك بالمذكور ؛ لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد كفر عنه حده بصلاته ، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي ، فلا يستمر الحكم في غيره إلا في من علم أنه مثله في ذلك ، وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي صلى الله عليه وسلم " انتهى من " فتح الباري " (12/134)
وثمة قول آخر لا يسلِّم بالإجماع الذي نقلناه سابقا عن الإمام النووي رحمه الله ، بل يقولون إن الحسنات والأعمال الصالحة كالصلاة والصيام والحج يمكن أن تكفر كبائر الذنوب أحيانا ، ولكن ليس ذلك بالأمر اللازم المطرد ، وهذا الموضوع يقرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في أكثر من موضع في كتبه ، وينتصر له بأدلة كثيرة ، وذهب إليه كثير من العلماء من شراح الأحاديث وغيرهم ، ومنهم الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث يقول : " وقد تكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلا بحيث صلح لأن يكفر عددا كثيرا من الصغائر ولم يكن عليه من الصغائر شيء أصلا أو شيء يسير وعليه كبيرة واحدة مثلا فإنها تكفر عنه ذلك لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا " انتهى من " فتح الباري " (12/134)، وينظر : " مجموع فتاوى ابن تيمية " (7/489-491)، " فتح الباري " لابن رجب (4/206)، "فتح الباري" لابن حجر (8/357)
وبناء على هذا القول يمكن أن يوجه حديث أنس بن مالك وأبي أمامة رضي الله عنهما بأن الله عز وجل أطلع نبيه على أن هذا الرجل قد غفر الله له كبيرته بسبب صلاته ، وذلك لا يعني أن كل الكبائر من أي مرتكب لها تكفرها صلاتهم مع جماعة المسلمين ، وإنما يمكن أن يقع ذلك لبعض العاصين غير هذا الرجل الوارد في الحديث .
وفي كلام ابن القيم رحمه الله ما يشير إلى أن الرجل إنما غفر الله له بسبب توبته الصادقة ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاته مع جماعة المسلمين كانت سبب مغفرة ذنبه لأنه صدق التوبة مع الله ، وليس بسبب الصلاة المجردة .
قال ابن القيم رحمه الله :
" قالت طائفة : بل غفر الله له بتوبته ، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ، وعلى هذا فمن تاب من الذنب قبل القدرة عليه سقطت عنه حقوق الله تعالى كما تسقط عن المحارب ، وهذا هو الصواب " انتهى من " إعلام الموقعين " (4/281-282)

وأيا كان الأصوب من هذين المسلكين للعلماء في توجيه الحديث ، فإن الخطر كل الخطر يكمن في حال أولئك الذين يسرفون في المعاصي ، ويصرون على الذنوب ، ويقتحمون كل خطيئة ، ثم يقولون : سيغفر الله لنا بحسناتنا !
وما أدراهم أن الله تقبل منهم حسناتهم ! وما أدراهم أن الله لا يحبط تلك الحسنات بتلك السيئات! بل وما أدراهم أن الله عز وجل سيختم لهم بخاتمة حسنة إذا هم أصروا على ذنوبهم بدعوى أنها صغائر ! وقد قال أهل العلم : إن الإصرار على الصغائر يصيرها كبائر .
قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله في خطبة له :
" أيها الناس من ألمَّ بذنبٍ فليستغفرِ اللَهَ وليتبْ ، فإن عاَدَ فليستغفرِ اللَّهَ وليتبْ ، فإن عاد فليستغفر الله وليتب ، فإنما هي خطايا مطوقة في أعناق الرجال ، وإن الهلاك كل الهلاك في الإصرار عليها .
نقله الحافظ ابن رجب ثم قال :
" ومعنى هذا : أن العبد لا بد أن يفعل ما قدر عليه من الذنوب..ولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستعفار ، فإن فعل فقد تخلص من شر الذنوب ، وإن أصر على الذنوب ، هلك ، وفي "المسند" من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم - قال: ( ويل للمصرين الذي يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ) " انتهى من " تفسير ابن رجب الحنبلي " (1/562-563)
وجاء في " فتاوى اللجنة الدائمة ":
" ليس معنى هذه المكفرات وما في معناها أن يُقدِمَ الإنسان على المعاصي والشهوات ، ويصرَّ عليها ، بحجة أنه يعمل هذه الحسنات فتكفرها ، فهذا لا يقوله أحد ، ولا تؤدي إليه هذه النصوص ، وإنما المسلم مطالب بأصل الشرع بعمل الأوامر واجتناب النواهي ، وإذا قارف معصية فعليه المبادرة إلى التوبة النصوح بالإقلاع عنها ، والتأسف على ما وقع منه ، وعقد العزم بعدم العودة إليها ، فهذه مع ما يحصل للمسلم من الخير مثل الوضوء والصلاة وفعل الحسنات - تكاثر السيئات وتكفرها إذا اجتنب الكبائر ؛ لقول الله سبحانه : ( إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا ) انتهى باختصار من " فتاوى اللجنة الدائمة " (المجموعة الأولى 24/361)
والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا