الأحد 9 جمادى الآخر 1439 - 25 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


tr

172775: الإسلام دين الأنبياء جميعا


السؤال:
الإسلام دين عظيم بشعائره وقيمه ، لكنه كان آخر دين ظهر ، أتساءل : لماذا لم يظهر في البداية مذ سيدنا آدم عليه السلام ، وهل كانت هناك صلاة أو ما يشبه ذلك يعاقَب الإنسان على تركها ؟

تم النشر بتاريخ: 2011-11-19

الجواب :
الحمد لله
لعل هذا الإشكال يرد في ذهن من يرى أن دين الإسلام منقطع عن الرسالات السماوية السابقة ، وهو ما حاول اليهود والنصارى نشره والترويج إليه ، غير أن الحقائق القرآنية الواضحة تؤكد أن الإسلام دين مكمِّلٌ لما سبقه من الأديان ، وأن ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وما بعث به الأنبياء السابقون يخرج من مشكاة واحدة ، مشكاة الوحي الإلهي الذي أفاض على البشرية أنوار الهداية والسعادة .
يقول الله عز وجل : ( وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ ) آل عمران/144، ويقول سبحانه : ( إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران/19، ويقول تعالى : ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ) الأحقاف/9.
والمؤمنون من أتباع الأنبياء السابقين كلهم كانوا مسلمين بالمعنى العام ، يدخلون الجنة بإسلامهم ، فإذا أدرك أحدهم مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل منه إلا اتباعه .
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فمن كان متبعا لشرع التوراة أو الإنجيل الذي لم يبدَّل ولم ينسخ فهو على دين الإسلام ، كالذين كانوا على شريعة التوراة بلا تبديل قبل مبعث المسيح عليه السلام ، والذين كانوا على شريعة الإنجيل بلا تبديل قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم " انتهى من " مجموع الفتاوى " (27/370)
وإذا أخبرنا الله جل وعلا أن الدين عنده هو الإسلام ، وأنه ما من رسول إلا وبعث في قومه ليدعوهم إلى التوحيد الذي هو الإسلام ، تبين لنا أن الدين الذي يحب الله من عباده أن يدينوا له به هو الإسلام ، الذي يعني عقيدة التوحيد التي تؤمن بأركان الإيمان الست ، وتقوم على قيم الحق والعدل والفضيلة ، وهو الدين الذي بعث به آدم عليه السلام ، وبعث به خاتم الأنبياء والرسل محمد صلى الله عليه وسلم .
يقول الحق جل وعلا : ( وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ) الأنبياء/25.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ ) رواه البخاري في " صحيحه " (رقم/3443) ومسلم (2365) .
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله :
" معنى الحديث أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع الشرائع " انتهى من " فتح الباري " (6/489)
ويقول الدكتور عمر الأشقر حفظه الله :
" الإسلام في لغة القرآن ليس اسماً لدين خاص ، وإنما هو اسم للدّين المشترك الذي هتف به كل الأنبياء ، فنوح يقول لقومه : ( وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) يونس/72، والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم ( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) البقرة/ 131، ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً : ( فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) البقرة/132، وأبناء يعقوب يجيبون أباهم : ( نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) البقرة/133، وموسى يقول لقومه : ( يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ ) يونس/84، والحواريون يقولون لعيسى : ( آمَنَّا بِاللهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) آل عمران/52، وحين سمع فريق من أهل الكتاب القرآن ( قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ) القصص/53.
فالإسلام شعار عام كان يدور على ألسنة الأنبياء وأتباعهم منذ أقدم العصور التاريخية إلى عصر النبوة المحمدية " انتهى من " الرسل والرسالات " (ص/243)
ولكن شرائع الأنبياء والرسل السابقين – أي الأحكام الفقهية – هي التي نسخت وبدلت بمبعث سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم ، فقد اختصه الله عز وجل بشريعة كاملة صالحة لكل زمان ومكان ، وأمر جميع الناس أن يتبعوا تلك الشريعة ويتركوا ما كانوا يتبعونه من شرائع الرسل السابقين .
بل يقرر العلماء أن ما نسخ من شرائع الرسل السابقين هي بعض التفاصيل ، أما مجملات الشرائع وكلياتها وأصولها فهي واحدة متفقة .
يقول الشاطبي رحمه الله :
" القواعد الكلية من الضروريات والحاجيات والتحسينيات لم يقع فيها نسخ ، وإنما وقع النسخ في أمور جزئية ، بدليل الاستقراء ...بل زعم الأصوليون أن الضروريات مراعاة في كل ملة...وهكذا يقتضي الأمر في الحاجيات والتحسينيات ، وقد قال الله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ) الشورى/13.
وقال تعالى : ( فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ ) الأحقاف/35. وقال بعد ذكر كثير من الأنبياء عليهم السلام : (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ ) الأنعام/90، وقال تعالى : ( وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ) المائدة/43. " انتهى من " الموافقات " (3/365)

ويقول الدكتور عمر الأشقر حفظه الله :
" الناظر في الشرائع يجد أنها متفقة في المسائل الأساسية ، وقد سبق ذكر النصوص التي تتحدث عن تشريع الله للأمم السابقة الصلاة والزكاة والحج وأخذ الطعام من حلّه وغير ذلك ، والاختلاف بينها إنّما يكون في بعض التفاصيل ، فأعداد الصلوات وشروطها وأركانها ومقادير الزكاة ومواضع النسك ونحو ذلك قد تختلف من شريعة إلى شريعة ، وقد يحلّ الله أمراً في شريعة لحكمة، ويحرمه في شريعة أخرى لحكمة " انتهى من " الرسل والرسالات " (ص/250)

والمهم هنا بيان أن الإسلام العظيم دين الأنبياء جميعا ، ظهر مع بداية النبوة من عهد أبينا آدم عليه السلام ، وكل الرسالات دعت إليه ونادت به ، من حيث العقائد وأصول الأحكام كالصلاة والصيام والزكاة والحج ، كلها كانت لدى الأمم السابقة ، قال تعالى عن نبيه إسماعيل عليه السلام : ( وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا ) مريم/55. ودليل تشريع الصيام للأمم السابقة قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) البقرة/183. وأما الحج فمذ عهد سيدنا إبراهيم ، قال عز وجل : ( وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) الحج/27.
وأما اختلاف بعض الأحكام ، أو بعض التفاصيل ، فهذا بحسب مراد الله من عباده في ذلك الوقت ، حيث كانت الشرائع السابقة مؤقتة بزمان محدد ، وبحسب ما يصلح العباد ، ويصلح عليه شأنهم في ذلك الزمان .

والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا