الأربعاء 5 ذو القعدة 1439 - 18 يوليو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


174917: سرق بريد صاحبه الإلكتروني واطلع على صور زوجته ونشرها في الإنترنت


السؤال:
بارك الله فيكم على هذا الموقع . سؤالي باختصار هو : أنني قمت بالانتقام من أحد الأشخاص من الذين كنت أحقد عليهم ، وقمت بسرقة عنوان الإيميل الخاص به ، وأخذت صوره هو وزوجته ! وقمت برفع صور زوجته على جميع مواقع التواصل الاجتماعي لكي يشاهد الجميع صور زوجته ، وبعد فترة رأى صور زوجته على الإنترنت وتأذى كثيراً وتدهورت حالته النفسية لفترة محدودة ، ولكن - الحمد لله - تحسن مرة أخرى ، المشكلة هي أنني بعدما قمت باستغفار الله والتوبة من هذا الذنب انتابني شعور بالخوف أن هذا الأمر سوف يحصل لي أو لأهلي في الدنيا ؛ وذلك لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( كما تدين تدان ) ، فالسؤال هو ما الحل ؟ هل أطلب من هذا الشخص مسامحتي وأخبره بأنني الفاعل ؟ وذلك يكون مستحيلا لأنه إن أخبرته بأنني الفاعل سوف تسوء سمعتي أمام أصدقائي والجميع وسوف ينتقم أيضا ، فهل هناك حل غير هذا ؟ .

تم النشر بتاريخ: 2011-10-22

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
لا شك أنك ارتكبتَ إثماً عظيماً بسرقتك البريد الإلكتروني الخاص بصديقك ، ومن ثم الاطلاع على ما فيه ، وهو من التجسس المحرَّم والاطلاع على العورات المنهي عنه .
قال الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند - حفظه الله - :
وكذلك لا يجوز التجسس على مخاطبات ومراسلات المتعاملين بالإنترنت لقول الله تعالى ( وَلاَ تَجَسَّسُوا ) الحجرات/ 12 ؛ لأن فيه تتبعاً للعورات والمثالب وكشفاً لما ستروه ورغبوا في حفظه ومنع ظهوره للناس ، بل ( مِنْ اِطَّلَعَ فِي بَيْت قَوْم بِغَيْرِ إِذْنهمْ فَقَدْ حَلَّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنه ) – رواه مسلم - ولا ضمان عليهم ، وعقوبة المتجسس هي التعزير ، إذ ليس في ذلك حد معين ، والتعزير يختلف والمرجع في تقديره إلى الإمام . " انتهى من " الأحكام الفقهية للتعاملات الإلكترونية " ( ص 321 ) .
وقد اشتد الإثم وعظم الجُرم باطلاعك على صور زوجة صديقك ! واشتد الجرم أكثر وعظم الجرم أكثر بنشرك لتلك الصور على الناس ، ولا ندري كيف نجح الشيطان في التسويل لك بهذا الفعل المحرَّم ، وخاصة أنها زوجة صديقك الذي تُظهر له المودة وهو يأتمنك على نفسه وعرضه ، وكل ما ترتب على ذلك النشر لتلك الصور من نظر محرَّم إليها أو إيذاء معنوي أو نفسي فإن عليك وزره ولا شك لأنك السبب في وجوده ، قال تعالى ( وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا ) الأحزاب/ 58 .
فانظر كم حصل من ذنب في فعلك ذاك لتعلم عظم ما اقترفته ، فالسرقة والتجسس والاطلاع على العورات ونشرها بين الناس لينظروا نظرة حرام ، والأذية لصديقك وزوجته وأهلهما ، كل تلك كانت ذنوباً اقترفتها من أجل تنفيس عن حقد قلبي تجاه مسلم ما كان له أن يكون أصلاً فضلاً عن تنفيسه بارتكاب ذنوب وآثام عظيمة .


ثانياً:
مع عظم ذنوبك التي اقترفتها فإن باب التوبة مفتوح لك ، وقد أحسنت في توبتك بسبب ما فعلتَه من ذنوب ، ونرجو الله أن تكون صادقاً فيها وأن يتقبلها الله تعالى منك .

ثالثاً:
أما بخصوص خوفك من أن يعاقبك الله بمثل ما فعلت بصديقك استدلالاً بحديث ( كَمَا تَدين تُدان ) : فننبِّه قبل الجواب أن هذه الجملة لم تصح في حديثٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن جاءت الشواهد من الكتاب والسنَّة على صدقها وصحتها - وقد فصَّلنا القول فيها في جواب السؤال رقم ( 81528 ) فانظره – ومما جاء في الشرع ما يؤيد عين هذا الذنب والجزاء عليه من جنسه : ما جاء عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضيَ الله عنه قَالَ : صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ ( يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الْإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ : لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ؛ فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ) رواه الترمذي ( 1955 ) وصححه الألباني في " صحيح الترمذي " .
قال المباركفوري – رحمه الله - : " ( عوراتهم ) فيما تجهلونها ، ولا تكشفوها فيما تعرفونها .
( تتبع الله عورته ) ذكره على سبيل المشاكلة أي : كشف عيوبه ، ومن أقبحها تتبع عورة الأخ المسلم ، وهذا في الآخرة .
( ومن تتبع الله عورته يفضحه ) أي : يكشف مساويه .
( ولو في جوف رحله ) أي : ولو كان في وسط منزله مخفيّاً من الناس " انتهى من " تحفة الأحوذي " ( 6 / 153 ) باختصار .

ومع هذا فنطمئنك إلى أنَّ التوبة النصوح تهدم ما قبلها من الذنب الذي تاب منه صاحبه ، وقد أكرم الله تعالى التائبين بصدق أنه يبدِّل سيئاتهم حسنات ، وهذا يعني أنه لن يُعاقب التائب بصدق على ما اقترف من سيئات ومعاصي لا في الدنيا ولا في الآخرة .
وبما أنك تخبر أنك قد تبتَ إلى ربِّك عز وجل واستغفرته فنرجو أن لا تؤاخذ على ما فعلتَ تجاه صديقك ، ونوصيك بالندم والإكثار من الأعمال الصالحة والعزم الأكيد على عدم العود لمثل هذه المعاصي .

رابعاً:
وننصحك بعدم إخبار صديقك بما فعلته معه من ذنوب ؛ لئلا تزيد من أذيته وقد يتسبب ذلك في أن يفقد الثقة في الناس ، بل تكتفي بالدعاء له ، والاجتهاد في الإحسان إليه ، والذب عن عرضه .
وهذا هو ما رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو قول الحنابلة ، ففي " المستدرك على مجموع الفتاوى " ( 3 / 208 - 209 ) قال ابن تيمية رحمه الله : " فكل مظلمة في العرض من اغتياب صادق وبهت كاذب : فهو في معنى القذف ؛ إذ القذف قد يكون صدقًا فيكون في المغيب غيبة ، وقد يكون كذبا فيكون بهتاً ، واختيار أصحابنا : أنه لا يُعلمه بل يدعو له دعاء يكون إحساناً إليه في مقابلة مظلمته " انتهى .

خامساً:
النصيحة لعموم المسلمين : أن يحتاطوا لأجهزتهم وبريدهم من الاختراق ، وأن يحرصوا على أن لا يضعوا صوراً لنسائهم وبناتهم ؛ لما قد يحصل لأجهزتهم من اختراق ، أو ينظر إليها أصحاب محلات الصيانة أو من يسترجعها من يشتري الجهاز بالبرامج الكثيرة ، ونسأل الله أن يستر عوراتنا وأن يحفظنا بحفظه .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا