الثلاثاء 4 ذو القعدة 1439 - 17 يوليو 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


182230: لماذا نصلي على إبراهيم والأمر في القرآن الصلاة على النبي محمد وحده ؟!


السؤال :
أُمِرنا بالصلاة الإبراهيمية والتي هي " اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد " ، ثم نرى في القرآن أن الله تعالى يقول : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلّوا عليه وسلموا تسليماً ) ، فكما نرى أن الآية القرآنية لم تأمرنا بالصلاة على إبراهيم عليه السلام وإنما اقتصرت على النبي محمد صلى الله عليه وسلم . أسئلتي هي : - أليست الزيادة التي في الصلاة الإبراهيمة والتي هي الصلاة على إبراهيم وآله وآل النبي صلى الله عليه وسلم زيادة على ما في القرآن الكريم وبالتالي مخالفة لأمر الله ؟ . - ألسنا نبجِّل إبراهيم عليه السلام ونرفعه مكاناً أرفع من مكان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما نقول " وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم " ؟ . أرجو التوضيح ، وجزاكم الله خيراً .

تم النشر بتاريخ: 2012-09-22

الجواب :
الحمد لله
أولاً:
لا يجوز للمسلم أن يفرِّق في العمل بين ما ورد من الأحكام في القرآن أو في السنَّة الصحيحة ، والله تعالى قد أمره أن يلتزم بما جاءه به الرسول صلى الله عليه وسلم فقال قال : ( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) الحشر/ 7 ، وقد أكَّد هذا النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ القُرآنَ وَمِثلَهُ مَعَهُ ) رواه الترمذي ( 2664 ) وحسَّنه ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي " ، وانظر معنى الحديث في جواب السؤال رقم ( 128162 ) .
ثانياً:
السنَّة النبويَّة مبيِّنة للقرآن وشارحة له ، ولا غنى للمسلم ليفهم دينه ويعمل بأوامر القرآن عن السنَّة النبوية التي تبيِّن الأحكام وتفصلِّها كمّاً وكيفاً وزماناً ومكاناً ، وها هو سؤال الأخ مثال واضح على ما نقول ، فها هو أمر الله تعالى أن نصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف نصلِّي عليه ؟! وهذا الإجمال في ذكر الكيفية ، هو الذي دعا الصحابة الأجلاء أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم ليسألوه عن كيفية الصلاة عليه فيجيبهم بالوحي الصيغة التي ذكرها الأخ السائل .
عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : " أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي مَجْلِسِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ لَهُ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ نُصَلِّيَ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْكَ ؟ قَالَ : فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَمَنَّيْنَا أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قُولُوا اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ وَبَارِكْ عَلى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ فِي الْعَالَمِينَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ وَالسَّلامُ كَمَا قَدْ عَلِمْتُمْ ) رواه مسلم ( 405 ) .
قال النووي – رحمه الله - : " معناه : أمَرَنا الله تعالى بقوله تعالى ( صلوا عليه وسلموا تسليما ) فكيف نلفظ بالصلاة ؟ وفي هذا أنَّ مَن أُمر بشيء لا يَفهم مراده ، يَسأل عنه ليعلم ما يأتي به " انتهى من " شرح مسلم ( 4 / 124 ) .

ثم إن هذا الإيراد ليس خاصا بصفة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، بل هو عام في كل ما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم ، مما لا يوجد بنصه في القرآن الكريم ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم وجه الجواب عن تلك الشبهة الباطلة :
روى أبو داود (4604) عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ؛ أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ ، وَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَرَامٍ فَحَرِّمُوهُ ؛ أَلَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ لَحْمُ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ وَلَا كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السَّبُعِ ، وَلَا لُقَطَةُ مُعَاهِدٍ إِلَّا أَنْ يَسْتَغْنِيَ عَنْهَا صَاحِبُهَا ، وَمَنْ نَزَلَ بِقَوْمٍ فَعَلَيْهِمْ أَنْ يَقْرُوهُ فَإِنْ لَمْ يَقْرُوهُ فَلَهُ أَنْ يُعْقِبَهُمْ بِمِثْلِ قِرَاهُ ) . صححه الألباني في " صحيح الجامع " (2643) .

ويمكنك بعد هذا أن يزداد تأملك لقوله تعالى : ( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ) النحل/ 44 .

ثالثاً:
وأما الإيراد الذي أوردته في الصلاة على إبراهيم عليه السلام : فهو إيراد قديم معروف ، وقد قال ابن العربي المالكي رحمه الله : " قوله : كما صليت على إبراهيم : وهي مشكلة جدا ، لأن محمدا أفضل من إبراهيم ، فكيف يكون أفضل منه ، ثم يطلب له أن يبلغ رتبته ؟ وفي ذلك تأويلات كثيرة أمهاتها عشرة - وذكرها كلها - " انتهى من " أحكام القرآن " ( 3 / 624 ) .

وقد اختار الحافظ ابن حجر رحمه الله أن الكاف في قوله " كما صليتَ " للتشبيه ، لكن ليس من شرط التشبيه أن يكون المشبَّه به أقوى ، حيث قال : " قوله ( كما صليت على آل إبراهيم ) أي : تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فنسأل منك الصلاة على محمد وعلى آل محمد بطريق الأولى ؛ لأن الذي يثبت للفاضل يثبت للأفضل بطريق الأولى ، وبهذا يحصل الانفصال عن الإيراد المشهور من أن شرط التشبيه أن يكون المشبه به أقوى .
ومحصل الجواب : أن التشبيه ليس من باب إلحاق الكامل بالأكمل ، بل من باب التهييج ونحوه ، أو من بيان حال ما لا يعرف بما يعرف ، لأنه فيما يستقبل ، والذي يحصل لمحمد صلى الله عليه و سلم من ذلك أقوى وأكمل " انتهى من " فتح الباري " ( 8 / 534 ) .

وقد رجح الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أن الكاف للتعليل لا للتشبيه ، قال – رحمه الله - : " وقال بعض العلماء : إنها للتعليل – أي : الكاف - وأنَّ هذا مِن باب التوسُّل بفعل الله السابق لتحقيق الفعل اللاحق ، يعني : كما أنك سبحانك سَبَقَ الفضلُ منك على آل إبراهيم ، فألْحِقِ الفضلَ منك على محمد وآله ، وهذا لا يلزم أن يكون هناك مشبَّه ومشبَّه به .
فإن قال قائل : وهل تأتي الكاف للتعليل ؟ .
قلنا : نعم ، تأتي للتعليل ، استمعْ إليها من كلام العلماء ، واستمعْ إلى مثالها .
قال ابن مالك :
شَبِّه بكافٍ وبها التَّعليل قد يُعنى وزائداً لتوكيد وَرَدْ
فأفاد بقوله : " وبها التعليل قد يُعنى " أنه قد يُقصد بها التعليل .
وأمّا المثال فكقوله تعالى :( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ ) البقرة/ 151 ، فإن الكاف هنا للتعليل لما سبق ، وكقوله تعالى ( وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ) البقرة/ 198 أي : لهدايتكم ، وإن كان يجوز فيها التشبيه ، يعني : واذكروه الذِّكرَ الذي هداكم إليه .
فهذا القول – أعني : أنَّ الكاف في قوله " كما صَلَّيت " للتعليل - من باب التوسل بالفعل السابق إلى تحقيق اللاحق هو القول الأصحُّ الذي لا يَرِدُ عليه إشكال " انتهى من " الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 3 / 165 ، 166 ) .

والله أعلم

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا