الجمعة 7 جمادى الآخر 1439 - 23 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


en

192633: خاف على والده المريض أن يموت بسبب امتناعه عن الغذاء ، فسمح للأطباء بإعطائه الغذاء رغماً عنه فهل يعتبر عاقاً ؟


السؤال:
الوالد رحمه الله كان شديدا ، وحتى في مرضه لا نستطيع أن نقنعه بشيء ، في أحد الأيام قام بمحاولة الخروج من المستشفى ، وفصل موصلات المغذيات ، فأتعبني جدا ، ولاحظ الممرضات أنه يحاول فصل هذه الأنابيب ، فقالوا لي : سوف نربطه وأنا وافقتهم في آخر يوم من حياته ذهبت لأصلي الظهر ، وعند عودتي وجدته متعبا جدا ، وكان قليل الأكل من قبل ذلك اليوم ، وفي هذا اليوم لم يأكل ، ولم يتمكنوا من إعطائه علاج السكر ، استمريت أعطيه الأكسجين على فترات متقطعة ، لأنه إن لم يأخذ الأكسجين يتعب ، واستدعيت الأطباء ، وعملوا له أشعة ، ووجدوا أن الرئة بها فيروس ، وعند صلاة المغرب كانت درجة حرارته منخفضة جدا ، ويداه بيضاء ، وكذلك القدمان باردة جدا ، فقالوا هذا نتيجة لعدم الأكل ولقد أبلغناكم من قبل بأنه يجب أن يتغذي عن طريق أنبوب من الأنف ، ورفضتم ، فما رأيكم الآن ؟ هل نقوم بربطه ، ونقوم بإعطائه الغذاء ، ونثبت له الأكسجين ؟ فقلت لهم: نعم ، وأعطوا له الغذاء ، وبعد قليل جاءتني الممرضة ، فقالت : أعطيناه علاج السكر ، وتوفي بعد ما يقارب 12 ساعة .

وسؤالي :
ماذا علي ؟ هل فعلي عقوق أم إنني آثم ؟ فوالله لم أرد إلا مساعدته .

تم النشر بتاريخ: 2013-02-02

الجواب :
الحمد لله
ينبغي أن يعلم أن الأصل ألا يجبر المريض على طعام أو شراب لا يشتهيه؛ لما روى الترمذي برقم ( 2040 ), وابن ماجة برقم ( 3444) كلاهما عن عقبة بن عامر الجهني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تكرهوا مرضاكم على الطعام ، فإن الله يطعمهم ويسقيهم ) .
قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه , وقال الألباني : صحيح
جاء في شرح سنن ابن ماجه للسيوطي وغيره (1 / 246) : " ( لا تكرهوا مرضاكم ) الخ أي إن لم يأكلوا برغبتهم , ولا تقولوا : إنه يضعف لعدم الأكل, ( فإن الله تبارك وتعالى يطعمهم ويسقيهم ) , أي يرزقهم صبرا وقوة فإن الصبر والقوة من الله حقيقة لا من الطعام والشراب ولا من جهة الصحة , قال القاضي أي يمدهم ويحفظ قواهم بما يفيد فائدة الطعام والشراب في حفظ الروح وتقويم البدن .
قال الموفق : ما أغزر فوائد هذه الكلمة النبوية وما أجدرها للأطباء وذلك لأن المريض إذا عاف الطعام والشراب فذلك لاشتغال طبيعته بمقادمة المرض فإعطاء الغذاء في هذه الحال يضر جدا قوله : فإن الله يطعمهم ويسقيهم أي يشبعهم ويرويهم من غير تناول طعام وشراب " انتهى.
وقال ابن القيم – رحمه الله - في زاد المعاد في هدي خير العباد (4 / 83): " قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبَّاءِ : مَا أَغْزَرَ فَوَائِدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ النَّبَوِيَّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حِكَمٍ إِلَهِيَّةٍ ، لَا سِيَّمَا لِلْأَطِبَّاءِ، وَلِمَنْ يُعَالِجُ الْمَرْضَى ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا عَافَ الطَّعَامَ أَوِ الشَّرَابَ فَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الطَّبِيعَةِ بِمُجَاهَدَةِ الْمَرَضِ ، أَوْ لِسُقُوطِ شَهْوَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهَا لِضَعْفِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيَّةِ أَوْ خُمُودِهَا، وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ إِعْطَاءُ الْغِذَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُوعَ إِنَّمَا هُوَ طَلَبُ الْأَعْضَاءِ لِلْغِذَاءِ لِتَخْلُفَ الطَّبِيعَةُ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضَ مَا يَتَحَلَّلُ مِنْهَا، فَتَجْذِبُ الْأَعْضَاءَ الْقُصْوَى مِنَ الْأَعْضَاءِ الدُّنْيَا حَتَّى يَنْتَهِيَ الْجَذْبُ إِلَى الْمَعِدَةِ ، فَيُحِسَّ الْإِنْسَانُ بِالْجَوْعِ ، فَيَطْلُبُ الْغِذَاءَ ، وَإِذَا وُجِدَ الْمَرَضُ اشْتَغَلَتِ الطَّبِيعَةُ بِمَادَّتِهِ وَإِنْضَاجِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ أَوِ الشَّرَابِ ، فَإِذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، تَعَطَّلَتْ بِهِ الطَّبِيعَةُ عَنْ فِعْلِهَا ، وَاشْتَغَلَتْ بِهَضْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ عَنْ إِنْضَاجِ مَادَّةِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ الْمَرِيضِ " انتهى.
ولقد أثبت الطب الحديث أن في الجسم مدخرات كبيرة يستفيد منها وقت الحرمان ، وأن معظم الأمراض يصحبها عدم رغبة المريض في الطعام , وإطعام المريض كرها في هذه الحالة يعود عليه بالضرر؛ لعدم قيام جهازه الهضمي بعمله كما يجب , مما يتبعه عسر الهضم مع سوء حالة المريض .
ويمكن مراجعة هذه المعلومات على هذا الرابط:
http://www.jameataleman.org/agas/tasher/tasher26.htm#_ftn7
وعلى ذلك فلا يجوز إكراه المريض على الطعام والشراب إلا إذا وصل لحالة يخشى عليه فيها الهلاك إن لم يتناول طعامه , فيجوز حينئذ إعطاؤه من الأغذية ما يتناسب مع مرضه وهذا أمر يقرره الأطباء المتخصصون .
وأما إكراه المريض على أخذ الدواء فالأصل أنه غير مستحب وبهذا صرح فقهاء الشافعية , فقال النووي في المجموع شرح المهذب (5 / 118) : " ويستحب أن لا يكره المريض على الدواء وغيره من الطعام " انتهى.
لكن إن خيف على المريض الهلاك إن لم يتناول الدواء فالذي يظهر - والعلم عند الله – أنه يجوز حينئذ إكراهه على ذلك , جاء في الغرر البهية في شرح البهجة الوردية (2 / 78) : " قال في الروضة: ويكره إكراهه على تناول الدواء اهـ . الظاهر أن هذا إن لم يعلم أو يظن أن تركه يفضي إلى الهلاك كما قيل في أصل التداوي " انتهى.
وبناء على ما سبق من كلام الفقهاء - رحمهم الله – يظهر أن ما حدث منك من السماح للأطباء أو الممرضين بإعطاء الغذاء والدواء لوالدك – رحمه الله – قهرا , إنما كان بعد الخوف عليه من الهلاك أو تزايد المرض ، إذا لم يتناول العلاج ، أو التغذية ، وهذا لا حرج عليك فيه إن شاء الله ، وليس أيضا من العقوق ؛ بل هو من الإحسان إلى الوالد ؛ فلا تفتح على نفسك باب الوساوس والهموم لأجل ذلك .
مع التنبيه على أن من بِرِّك لوالدك بعد موته أن تكثر من الدعاء له بالرحمة وأن تكثر من الاستغفار له والصدقة عنه , فهذا مما ينتفع به الميت بإذن الله , كما بيناه في الفتوى رقم: (42384) .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا