الأحد 9 جمادى الآخر 1439 - 25 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


en

199988: يريد أن ينتقل من الإباضية إلى السنة والجماعة


السؤال:
أنا إباضي المذهب ، وأحببت أن أغير مذهبي إلى المذهب السني ، ولكن هناك عقبات كثيرة ، منها أنني ترعرعت على المذهب الإباضي ، وأهلي وأهل المنطقة التي أقطنها كافة من نفس المذهب . فسؤالي : ماذا أفعل ؟

وهل بإمكاني أن أصلي مسدل اليدين ؟

بدون الرفع والضم والتأمين ، وكل ذلك أفعله بقلبي . وماذا عن واجبي تجاه أهلي وأسرتي ؟

أرجو شرح الفروقات بين المذاهب الأربعة ، وكيفية الصلاة بكل مذهب . وما أشهر هذه المذاهب ؟

وأي مذهب تنصحني أن أتبعه ؟

تم النشر بتاريخ: 2013-05-12

الجواب :

الحمد لله
أولا :
الحكمة والرفق هما خلاصة الجواب الذي ننصحك به ، فقد قال تعالى : ( وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ) البقرة/269. ونحن نرجو أن تكون من أولي الألباب الذين يوفقهم الله عز وجل لإحداث التغيير على المستوى الشخصي ، وعلى المستوى الجماعي المتعلق في من حولك أيضا ، وذلك من خلال النظر والبحث والتفكر ، والدعوة إلى النقد والمراجعة.
ولعل أعظم ما يعينك على ذلك أن تعلم حقيقة الفوارق بين الإباضية المعاصرة ، وبين جمهور السنة والجماعة ، الذين هم السواد الأعظم من الأمة الإسلامية ، من أتباع المذاهب المعتبرة والأئمة المحققين ، فإذا حصرت تلك القضايا عرفت ما يجب عليك حينئذ ، وإلى أين يمكن أن تتجه .
وقد سبق في موقعنا في الفتوى رقم : (11529) تفصيل تلك الفوارق ، ويمكن أن نلخصها هنا فيما يأتي :
أولا :
اعتقاد الإباضية أن مرتكب الكبيرة خالد في نار جهنم لا يخرج منها أبدا ، كحال الكفار والمشركين ، ولهذا لن تنالهم شفاعة الشافعين ، ولا شفاعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .
ثانيا :
تأويل صفات الله تعالى الثابتة في الكتاب والسنة ، مع نفي معانيها التي تليق بجلال الله عنه سبحانه وتعالى ، وهم في ذلك قريبون من المعتزلة ، فقالوا بخلق القرآن الكريم ، وإنكار رؤية المؤمنين لله عز وجل في الجنة ، وتأويل بعض الغيبيات كالميزان والصراط .
ثالثا :
ما تشتمل عليه بعض كتبهم من قراءة مشوهة للتاريخ ، واتهام لكبار الصحابة كعثمان بن عفان ، وعلي بن أبي طالب , وطلحة ، والزبير رضي الله عنهم جميعا ، الأمر الذي قاد بعضهم إلى منابذة أهل السنة والتبريء منهم ، وإلغاء أي اعتبار لهم . وهذا كله مثبت في بعض كتبهم ، ولولا خشية الإطالة لسقنا جميع ذلك

، ولكن السائل الكريم لم يطلب البحث في التفاصيل .
والذي يعنينا هنا بيان ما ننبه إليه دائما ، وهو أن السلامة بين يدي الله تعالى يوم القيامة بالتوسط والاعتدال في الفكر والاعتقاد والعمل ، وكلها معلقة باتباع السواد الأعظم الذين هم الأمة الإسلامية من عهد الصحابة والتابعين إلى يومنا هذا ، وذلك معيارٌ سهل ويسير ، يمكن للعامي غير المختص في العلوم الشرعية أن يستعمله ليميز الصواب من الخطأ ، تماما كما يستنكر في قلبه إذا سمع بعض الناس يتحدث عن فوائد التدخين ، وهو يعلم أن جملة الأطباء في مشارق الأرض ومغاربها يتحدثون عن مضار التدخين ! فسيجد في نفسه ضرورة التسليم بما استقر عليه الطب في أكثر المدارس الطبية والمراكز العلمية من آفات التدخين .
وهكذا هو المعيار المبدئي لجميع المسلمين في تفاصيل العقائد ، كي لا تزل بهم الطريق ذات اليمين وذات الشمال ، فالفرق والطوائف لا ينقضي عددها ، ولا تنطفئ جذوتها عبر التاريخ الإسلامي كله ، ومن تأمل تبين أنها - جميعَها بلا استثناء - تنزوي بإمامها أو رجالاتها المعدودين عن المدرسة الإسلامية الجامعة ، مدرسة الصحابة والتابعين والأئمة الكبار الذين نقرأ سيرهم في كتب الإسلام العظيمة ، فلماذا يختار المسلم لنفسه المخاطرة بالتفرد دون الأمة ، ويختار اتباع إحدى الطوائف مهما ادعت أنها على الحق ، ومهما تكلفت الاستدلال على مذهبها ، فسيكون حينئذ منفردا عن جمهور الأمة ومنهجها الذي سار عليه أئمة الإسلام وعلماؤه ، وقد قال عليه الصلاة والسلام – مرشدا حذيفة بن اليمان في زمان التباس الحق بالباطل - : ( تَلْزَمُ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَإِمَامَهُمْ ، فَقُلْتُ : فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ جَمَاعَةٌ وَلَا إِمَامٌ ؟ قَالَ : فَاعْتَزِلْ تِلْكَ الْفِرَقَ كُلَّهَا ، وَلَوْ أَنْ تَعَضَّ عَلَى أَصْلِ شَجَرَةٍ حَتَّى يُدْرِكَكَ الْمَوْتُ وَأَنْتَ عَلَى ذَلِكَ ) رواه مسلم (1847) .
قال الإمام الترمذي رحمه الله : " تفسير الجماعة عند أهل العلم هم : أهل الفقه والعلم والحديث " ثم أسند عن ابن المبارك أنه سئل من الجماعة ؟ فقال : أبو بكر وعمر ، قيل له : قد مات أبو بكر وعمر ، قال : فلان وفلان " انتهى من " الجامع الصحيح للترمذي " (4/37) ومراد ابن المبارك هو التمثيل بأسماء بعض أئمة الإسلام الذين يمكن لغير المختص أن يستدل بهم على هداية الطريق .
وقد ورد من قول الصحابي الجليل عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه : " عَلَيْكَ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ " رواه الإمام أحمد في " المسند " (32/ 157). وقد ورد مرفوعا من طرق ضعيفة .
يقول الإمام الشاطبي رحمه الله :
" الجميع اتفقوا على اعتبار أهل العلم والاجتهاد .... إنما هو بالسواد الأعظم من العلماء المعتبر اجتهادهم ، فمن شذ عنهم فمات : فميتته جاهلية ، وإن ضموا إليهم العوام : فبحكم التبع ؛ لأنهم غير عارفين بالشريعة ، فلا بد من رجوعهم في دينهم إلى العلماء " .
انتهى من " الاعتصام " (3/217) .
إذن فغاية ما هنالك أننا نوصيك بالإيمان العام بما جاء في الكتاب والسنة الصحيحة ، على مراد الله تعالى ، ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ، من غير تحريف ولا تعطيل ، واجتناب الخوض فيما لم يخض فيه الصحابة والتابعون وأئمة الإسلام على مدى القرون ، كالقول بخلق القرآن ، أو خلود مرتكب الكبيرة في النار ، بل والتبرئ من تلك المعتقدات الحادثة ، التي خالفت النصوص الشرعية ، وإجماع السواد الأعظم ، أهل السنة والجماعة ، وكانت سببا في افتراق مجموعة من الطوائف عن أهل السنة والجماعة ، كالمعتزلة والخوارج .
وحين ذلك : فستحمل في قلبك كل الرضا والطمأنينة ، وستنتمي لتاريخ هذه الأمة العظيم ، وأئمتها الكبار ، وستجد نفسك متصلا بحضارتها ومنهجها عبر القرون المتطاولة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وستكتشف أنك كنت في عزلة عن تلك الحضارة ، محصورا في مدرسة واحدة ، لها أئمة معدودون ، وكتب تراثية محصورة ، وتاريخ مجتزأ ، وذلك سبب كاف ليبعث الشك في قلب كل من ينتمي إلى إحدى الفرق أو الطوائف ، ليراجع نفسه ، ويتساءل هل يعقل أن القرون المفضلة : قرن النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، والسواد الأعظم من الأمة والأئمة ؛ هل يعقل أن يكون ذلك التيار الجارف كله قد ضل عن الحق ، عبر التاريخ الإسلامي كله ، ثم لم يأخذ به إلا مثل هذه الطائفة ؟! وبذلك يعود إلى ميزان الحق والعدل الذي وصفه الله عز وجل بقوله : ( وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ) النساء/115.
هذه الفكرة التي نوصيك باستعمالها في حوارك مع قومك وأهلك ، ولكن مع استعمال الروية والتدرج ، وطرح التساؤلات التي تنير الطريق لمن حولك في إعادة التفكير مرة أخرى ، حتى يتقبلوا منك شيئا فشيئا مخالفتك لهم في الآراء والمعتقدات ، فإن لم تتمكن من ذلك فلا أقل من أن تؤمن في قلبك بما سبق شرحه ، وتطمئن للعودة إلى حضن الفكر السني المعتدل .
ثانيا :
لا حرج عليك خلال ذلك كله أن تؤجل الوقوف مع بعض السنن والمستحبات ، كمثل وضع اليمين على الشمال في الصلاة ، أو رفع اليدين عند التكبير ، أو الجهر بالتأمين ، فهي كلها من السنن المستحبة التي لا يأثم تاركها ، ولا تبطل صلاته .
يقول ابن قدامة رحمه الله :
" وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة من سنتها في قول كثير من أهل العلم يروى ذلك عن الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكاه ابن المنذر عن مالك ، وظاهر مذهبه الذي عليه أصحابه إرسال اليدين ، وروي ذلك عن ابن الزبير ، والحسن " انتهى مختصرا من " المغني " (1/341)، ولم يقل أحد بوجوب ذلك . ينظر " الموسوعة الفقهية " (27/86) .
وكذلك لم نجد من يقول بوجوب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام أو غيرها من التكبيرات ، وإنما هي من السنن المستحبات ، اللهم إلا ما ورد عند ابن حزم في " المحلى " (2/264) ، ينظر " الموسوعة الفقهية " (27/84) ، وهكذا الشأن أيضا في حكم الجهر بالتأمين ، لم يقل أحد بوجوبه ، بل مذهب الحنفية هو استحباب الإسرار به . ينظر " الموسوعة الفقهية " (16/184) .
وفي جميع الأحوال ليست هذه السنن هي العلامة الفارقة التي يجب العناية بها ، فلا يكن سعيك في إحداث التغييرات الشكلية التي قد تستعجل نفور من حولك عنك ، ولكن احرص على تغيير أساس التلقي ، ومنهاج الاعتقاد الذي نرجو أن يكون سببا في النجاة في الدنيا والآخرة ، وسببا في انطلاق العقل واستنارة الفكر والقلب إلى كل خير .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" فَالْعَمَلُ الْوَاحِدُ يَكُونُ فِعْلُهُ مُسْتَحَبًّا تَارَةً وَتَرْكُهُ تَارَةً بِاعْتِبَارِ مَا يَتَرَجَّحُ مِنْ مَصْلَحَةِ فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ بِحَسَبِ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَالْمُسْلِمُ قَدْ يَتْرُكُ الْمُسْتَحَبَّ إذَا كَانَ فِي فِعْلِهِ فَسَادٌ رَاجِحٌ عَلَى مَصْلَحَتِهِ كَمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَاءَ الْبَيْتِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ وَقَالَ لِعَائِشَةَ: {لَوْلَا أَنَّ قَوْمَك حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَنَقَضْت الْكَعْبَةَ وَلَأَلْصَقْتهَا بِالْأَرْضِ وَلَجَعَلْت لَهَا بَابَيْنِ بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ} وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَتَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ أَفْضَلُ الْأَمْرَيْنِ لِلْمُعَارِضِ الرَّاجِحِ وَهُوَ حِدْثَانُ عَهْدِ قُرَيْشٍ بِالْإِسْلَامِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ التَّنْفِيرِ لَهُمْ فَكَانَتْ الْمَفْسَدَةُ رَاجِحَةً عَلَى الْمَصْلَحَةِ " انتهى من "مجموع الفتاوى" (24/195) ، وينظر أيضا : (22/407) من نفس الكتاب .
وأما عن اتباع أحد المذاهب الفقهية السنية فقد سبق تفصيل الكلام عنه في موقعنا في الإجابات الآتية : (5523) ، (10296) ، (21420) ، (69836) ، (103339) ، (129109) ، (148057) ، (158052) .
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا