الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 - 19 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


220196: نصيحة لمن تزوج امرأة كانت متزوجة من قبل , وما زال بها حتى كشفت له أسرارا من زواجها الأول فساءه ذلك وأوقعه في الحرج


السؤال :
في بعض الأحيان يتزوج الرجل من امرأة كانت متزوجة من قبل ؛ إما لأنه يريد ذلك ، أو بسبب رغبة أهله ، وبعد الزواج يناقش الزوجان أمور حياتهم الماضية مع بعضهم البعض، وقد تكشف المرأة عن ماضيها ، وتقول لزوجها كيف أنها كانت متعلقة بزوجها السابق ، وأنها كانت تحبه أكثر مما تحب زوجها الحالي الآن ، ولكن نظراً لغيرة الرجل التي فطر عليها فإنه قد يجد مثل هذا الأمر جارحاً مما يستفزه لمعرفة المزيد عن مدى قربها من زوجها السابق في الماضي ، وذلك قد يتضمن سؤالها عن أمور تتعلق بالجماع ، وأمور حميمية وعاطفية أخرى ، وبعد معرفة كل ذلك ، يقوم الزوج بنبش ماضيها مما يسبب لكليهما الجرح والحزن ، ونتيجة للغريزة الذكورية فيه فهو دائماً يتمنى لو أنها له وحده فقط ولم تكن مع أحد غيره من قبل ، فهو لا يتقبل فكرة تعلق زوجته بزوجها السابق، ولو كان هذا الشيء كان فقط أثناء زواجها منه في الماضي.

والسؤال :

هل هناك أي حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم يتضمن توجيهات حول التعامل مع مثل هذا النوع من الأزواج حتى يتمكن من التعامل مع هذا الوضع وتقبله ؟

وكيف يمكن للقرآن أن يزيل مثل هذا الشعور من قلبه ؟

وكيف يمكن حثه ليصبح سعيداً بوضعه الحالي وأن لا يلقي بالاً لهذه المشاعر السيئة وماضي زوجته ؟

تم النشر بتاريخ: 2014-08-18

الجواب :
الحمد لله
ينبغي أن تعلم أيها السائل أن من وقع في الحزن والقلق والحيرة بسبب نبش ماضي زوجته ، والتنقيب عن أحوالها مع زوجها السابق , فإن هذا بما قدمته يداه ، وبما أقدم عليه من مخالفة صريحة لمنهاج القرآن الكريم والسنة النبوية المباركة في مثل هذه الأمور , وما ربك بظلام للعبيد , ولو أنه وقف عند قول ربه جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) المائدة/101 ؛ لو أنه تأدب بهذا الأدب ، ما وقع فيما وقع فيه من الحيرة والبلاء .
يقول القرطبي – رحمه الله – في تفسيره (6 / 332) : " وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِكَثْرَةِ الْمَسَائِلِ السُّؤَالُ عَمَّا لَا يَعْنِي مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ ، بِحَيْثُ يُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى كَشْفِ عَوْرَاتِهِمْ وَالِاطِّلَاعِ عَلَى مَسَاوِئِهِمْ ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى:" وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً" [ الحجرات: 12] " انتهى.
وقال ابن كثير رحمه الله في تفسيره (3 / 203) : " هَذَا تَأْدِيبٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَنَهْيٌ لَهُمْ عَنْ أَنْ يَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ مِمَّا لَا فَائِدَةَ لَهُمْ فِي السُّؤَالِ وَالتَّنْقِيبِ عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا إِنْ أُظْهِرَتْ لَهُمْ تِلْكَ الْأُمُورُ رُبَّمَا سَاءَتْهُمْ ، وَشَقَّ عَلَيْهِمْ سَمَاعُهَا " انتهى .
وتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ ) رواه الترمذي (2318) ، وصححه الألباني .
يقول ابن رجب في " جامع العلوم والحكم " (1/114-116) :
" وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب ، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد إمام المالكية في زمانه أنه قال : جماع آداب الخير وأزِمَّتُه تتفرع من أربعة أحاديث : قول النبي صلى الله عليه وسلم ( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ) وقوله صلى الله عليه وسلم للذي اختصر له في الوصية : ( لا تغضب ) وقوله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ( ومعنى هذا الحديث : أن مَنْ حسُنَ إسلامه تَركَ ما لا يعنيه من قول وفعل ، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال ، ومعنى يعنيه أن تتعلق عنايته به ، وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني : حفظ اللسان من لغو الكلام . وفي المسند [ 1/201 ] من حديث الحسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن من حسن إسلام المرء قلة الكلام فيما لا يعنيه ) [ قال الأرناؤوط : حسن لشواهده ] " انتهى باختصار .
ثم كيف يلح شخص على امرأته حتى يوقعها في المعصية ، بأن يجعلها تبوح بأسرار ما كان بينها وبين زوجها السابق من علاقة خاصة , وكيف تفعل المرأة ذلك وتستجيب له , وهذا الفعل مما تنفر منه الفطر المستقيمة ، والأخلاق القويمة , فعن أَبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ) رواه مسلم ( 1437) .
قال النووي - رحمه الله - : " وفي هذا الحديث : تحريم إفشاء الرجل ما يجرى بينه وبين امرأته من أمور الاستمتاع ووصف تفاصيل ذلك ، وما يجرى مِن المرأة فيه ، من قول ، أو فعل ، ونحوه " . انتهى من " شرح النووي " ( 10 / 8 ) .
وقد سئل الشيخ محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله - " يغلب على بعض النساء نقل أحاديث المنزل وحياتهن الزوجية مع أزواجهن إلى أقاربهن وصديقاتهن ، وبعض هذه الأحاديث أسرار منزلية لا يرغب الأزواج أن يعرفها أحد ، فما هو الحكم على النساء اللاتي يقمن بإفشاء الأسرار ونقلها إلى خارج المنزل أو لبعض أفراد المنزل ؟ ".
فأجاب : " إن ما يفعله بعض النساء مِن نقل أحاديث المنزل والحياة الزوجية إلى الأقارب والصديقات أمر محرَّم ، ولا يحل لامرأة أن تفشي سرَّ بيتها ، أو حالها مع زوجها إلى أحدٍ من الناس ، قال الله تعالى : ( فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ) ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن : ( شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها)". انتهى من " فتاوى إسلامية " ( 3 / 211 ، 212 ) .
فالواجب على من فعل هذا : أن يتوب إلى الله تعالى ويستغفره من ذنبه الذي أوقعه فيه شيطانه ونفسه الأمارة بالسوء .
وأما من ناحية العلاج لهذه الحيرة ، وذلك القلق : فلا يوجد أفضل من اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم وتذكر حاله وحياته الشريفة , فليعلم أنه ليس أكثر غيرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكل نسائه رضي الله عنهن كنَّ متزوجات قبله إلا عائشة رضي الله عنها ؟! ولو كان الزواج من مطلَّقة أو أرملة ، فيه ما يعيب الرجل ، لما رضي الله تعالى بذلك لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وليُعلم أن إحداهن رضي الله عنهن وهي زينب بنت جحش رضي الله عنها ، قد زوَّجها ربُّها تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؟! نعم ، قال الله تعالى : ( فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا ) الأحزاب/ 37 ، ولذا حُقَّ لها أن تفخر بذلك ، كما جاء عن أنس رضي الله عنه في قوله " فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ : زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ " . رواه البخاري ( 6984 ) ، وروى مسلم ( 177 ) عن عائشة رضي الله عنها مثل قول أنس رضي الله عنه .
وهذه الصحابية الجليلة " أسماء بنت عميس " تزوجت ثلاث مرات ، من ثلاثة رجال أفاضل ، لم تنجب الأرحام بعد عصر الصحابة مثلهم ، وكانوا على درجة عالية من العلم والدين والشجاعة والغيرة ، فقد تزوجها أولاً : جعفر بن أبي طالب ، ثم مات عنها ، فتزوجها أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه ، ثم لما مات عنها ، تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فما عابها ذلك بل رفع قدْرها ، وما عاب هؤلاء الأفذاذ أن تزوجوا بأرملة ، ولا أنفوا من ذلك ، ولا أحرقت الغيرة الحمقاء قلوبهم ، وقد رأوا نبيهم صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ، ولو كان ذلك عيباً ومنقصةً للمروءة والغيرة – وحاشاه أن يكون كذلك ، وقد أحله الله – لما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا فعله الأكابر من أصحابه .
بل نقول لك : لو كان ذلك نقصا وعيبا ، لما شرعه الله أصلا ؛ فإن الله يغار ، والله أغير من عباده ، وغيرة الله أن تؤتى محارمه ، لا أن يستمتع العباد بما أحله لهم , وتراجع الفتوى رقم : (151420)
والله أعلم .

موقع الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا