الأربعاء 13 ربيع الأوّل 1440 - 21 نوفمبر 2018
العربية

11- هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في رمضان ( 1 )

تاريخ النشر : 20-01-2009

المشاهدات : 91

هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في رمضان ( 1 )


 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره و نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا , من يهده الله فلا مضل له , ومن يضلل فلا هادي له , وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .

 

أما بعد :

فإن خير الحديث كتاب الله , وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم  , وشر الأمور محدثاتها , وكل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار .

إخواني :

إن من الأمور الواجبة على المسلم أن يتعلم هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في كل عمل من الأعمال الشرعية , وذلك كي يؤدي ذلك العمل على أكمل الوجوه , وكي لا يقع في ما يبطله أو يخل به .

وصلاح كل عمل متوقف على شرطين , هما :

1-              إخلاص النية لله تعالى .

2-              موافقة هدي النبي صلى الله عليه وسلم  .

ومن ذلك أعمال شهر رمضان ، من الصيام والقيام والقراءة والاعتكاف وغيرها من الأعمال الصالحات .

وقد جاءت عدة أحاديث تبين لنا هدي النبي صلى الله عليه وسلم  في هذا الشهر المبارك , وهذا هو موضوع حديثنا في هذه الكلمة .

هديه صلى الله عليه وسلم  في الصيام :

1-     فكان صلى الله عليه وسلم  يتسحر , وكان يؤخر السحور إلى آخر الليل , وكان صلى الله عليه وسلم يحث أمته على تأخير السحور وعلى التسحر بالتمر .

ثبت في "الصحيحين" البخاري (1921) ، ومسلم (2/771) من حديث زيد بن ثابت قال : تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ثم قمنا إلى الصلاة , قلت : كم كان قدر ما بينهما ؟ قال : خمسين آية .

( فائدة ) قال الحافظ في "الفتح" (4/164) : ( قال المهلب وغيره : ... كانت العرب تقدر الأوقات بالأعمال , كقولهم : قدر حلب شاة , وقدر نحر جزور , فعدل زيد بن ثابت عن ذلك إلى التقدير بالقراءة إشارة إلى أن ذلك الوقت كان وقت العبادة بالتلاوة .... وقال ابن أبي جمرة : فيه إشارة إلى أن أوقاتهم كانت مستغرقة بالعبادة ) ا.هـ

وعن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  تسحروا فإن في السحور بركة   رواه البخاري (1923) ، ومسلم (2/770) .

وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   نعم سحور المؤمن التمر   . رواه أبو داود (3/142) , وصححه ابن حبان (3475) والألباني في "الصحيحة" (562) .

2-             وكان صلى الله عليه وسلم  ربما أصبح جنبا , فيغتسل ويصوم .

روى البخاري (1930) ، ومسلم (1109) من حديث عائشة وأم سلمة قالتا : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان , ثم يصوم .

وفي الصحيحين : البخاري(1925) ، ومسلم(1109) من حديثهما أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله , ثم يغتسل ويصوم .

وفي "صحيح مسلم " (1110) من حديث عائشة : أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم  يستفتيه _ وهي تسمع من وراء الباب _  فقال : يا رسول الله , تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم " فقال : إنك لست مثلنا يا رسول الله , قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر . فقال : " والله , إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي   .

3-              وكان صلى الله عليه وسلم  ربما قبل بعض نسائه وهو صائم .

 روى مسلم في "صحيحه" (2/777) من حديث عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم  يقبل وهو صائم ، ويباشر وهو صائم ،ولكنه أملككم لإربه .

وروى مسلم (2/779) أيضا من حديث عمر بن أبي سلمة أنه : سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم  أيقبل الصائم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : " سل هذه " لأم سلمة , فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع ذلك , فقال : يا رسول الله , قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم  :  أما والله إني لأتقاكم لله وأخشاكم له   .

( فائدة ) قال الشيخ ابن عثيمين ما ملخصه : ( القبلة تنقسم إلى ثلاث أقسام :

1-              ألا يصحبها شهوة إطلاقا , فهذه لا تؤثر ولا حكم لها , لأن الأصل الحل .

2-              أن تحرك الشهوة , ولكنه يأمن من إ فساد الصوم بالإنزال ، فهذه الصحيح أنها جائزة ولا بأس بها .

3-              أن يخشى من فساد الصوم , فهذه تحرم إذا ظن الإنزال ) ا.هـ "الشرح الممتع" (6/432_433) .

4-             وكان صلى الله عليه وسلم ربما صب على رأسه الماء وهو صائم .

روى أبو داود في "سننه" (2357) عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعَرْج ( وهي قريبة بين الحرمين ) يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش _ أو من الحر _ . وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (2072) .

5-     وكان صلى الله عليه وسلم إذا سافر تارة يصوم , وتارة يفطر , وتارة يبتدأ الصوم في أول النهار ثم يفطر بعد ذلك ، ويبدو – والله أعلم- أن مرجع هذا الاختلاف في الحال اختلاف أنواع السفر ومشاقه .

عن أبي الدرداء قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  في شهر رمضان في حر شديد , حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر , وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وعبد الله بن رواحة . رواه مسلم ، وهو عند البخاري (1945) دون قوله : ( شهر رمضان ) .

وعن ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  خرج عام الفتح في رمضان , فصام حتى بلغ الكَدِيد أفطر , فأفطر الناس . رواه البخاري (1944) ، ومسلم (2/784) .

وفي رواية قال : سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان , فصام حتى بلغ عسفان , ثم دعا بإناء فيه شراب فشربه نهارا ليراه الناس , ثم أفطر حتى دخل مكة . قال ابن عباس : فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفطر , من شاء صام ومن شاء أفطر .

وعن جابر بن عبد الله : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان , فصام حتى بلغ كراع الغميم , فصام الناس , ثم دعا بقدح ماء , فرفعه حتى نظر الناس إليه , ثم شرب , فقيل له بعد ذلك : إن بعض الناس قد صام . فقال : " أولئك العصاة , أولئك العصاة  . وفي رواية أخرى : فقيل له : إن الناس قد شق عليهم الصيام , وإنما ينظرون فيما فعلت , فدعا بقدح من ماء بعد العصر . رواه مسلم (2/785) .

وعن أبي سعيد الخدري قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  لست عشرة مضت من رمضان، فمنا من صام ، ومنا من أفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر  ، ولا المفطر على الصائم رواه مسلم (2/786) .

وفي رواية له : فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلا يجد الصائم على المفطر , ولا المفطر على الصائم ، يرون أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن , ويرون أن من وجد ضعفا فأفطر فإن ذلك حسن .

وفي رواية عند أحمد (3/46) ، قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم على نهر من ماء السماء , والناس صيام في يوم صائف مشاة , ونبي الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له , فقال : " اشربوا أيها الناس " قال : فأبوا . فقال : " إني لست مثلكم , إني أيسركم , إني راكب " فأبوا , فثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم  فخذه , فنزل , وشرب وشرب الناس , وما كان يريد أن يشرب .

وروى الإمام أحمد (6/398) ، وأبو داود (2405) من حديث منصور الكلبي أن دحية بن خليفة خرج من قرية من دمشق مِزَّة إلى قدر قرية عقبة من الفسطاط , وذلك ثلاثة أميال في رمضان , ثم إنه أفطر وأفطر معه ناس , وكره آخرون أن يفطروا , فلما رجع إلى قريته قال : والله لقد رأيت اليوم أمرا ما كنت أظن أني أراه , إن قوما رغبوا عن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، يقول ذلك للذين صاموا , ثم قال عند ذلك : اللهم اقبضني إليك .

6-     وكان صلى الله عليه وسلم يعجل الفطر بعد غروب الشمس مباشرة , وكان يفطر قبل صلاة المغرب , وكان يفطر على رطب ،  فإن لم يجد فعلى تمر ، فإن لم يجد حسى حسوات من ماء ، وكان صلى الله عليه وسلم يوجه أمته لذلك ويحثهم عليه .

قال ابن عبد البر : ( أحاديث تعجيل الإفطار وتأخير السحور صحاح متواترة ) انتهى من "فتح الباري" لابن حجر (4/234) . ومن هذه الأحاديث :

عن ابن أبي أوفى قال : سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم , فلما غربت الشمس قال لرجل : " انزل فاجدح لنا " . قال : يا رسول الله , لو أمسيت . قال : " انزل فاجدح لنا " . قال : يا رسول الله , إن عليك نهارا . قال : " انزل فاجدح لنا " . فنزل فجدح , ثم قال : " إذا رأيتم الليل أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم  وأشار بإصبعه إلى قبل المشرق رواه البخاري (1956) .

الجدح : تحريك السويق ونحوه بالماء بعود . "فتح" (4/232) .

وفي "صحيح مسلم" (2/771-772) من حديث مالك بن عامر قال : دخلت أنا ومسروق على عائشة , فقال لها مسروق : رجلان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم  كلاهما لا يألوا عن الخير , أحدهما يعجل المغرب والإفطار , والآخر يؤخر المغرب والإفطار , فقالت : من يعجل المغرب والإفطار ؟ قال : عبد الله . قالت : هكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع . وعبد الله هو ابن مسعود .

وروى البخاري (1957) من حديث سهل بن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :   لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر   .

وروى أبو داود (2348) من حديث أنس بن مالك قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفطر على رطبات قبل أن يصلي , فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات , فإن لم تكن حسا حسوات من ماء وحسنه الألباني في "الإرواء" (922) .

وروى أيضا (2347) من حديث سلمان بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   إذا كان أحدكم صائما فليفطر على التمر , فإن لم يجد التمر فعلى الماء , فإنه طهور  وقال عنه الترمذي (795) : حسن صحيح .

7-     وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا أفطر : ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى   أخرجه أبو داود (2349) ، والدار قطني (2/185) ، والحاكم (1/422)  من حديث ابن عمر ، وحسَّنه الدار قطني والألباني في "الإرواء" (920) .

8-              وكان صلى الله عليه وسلم إذا أفطر عند قوم دعا لهم .

 عن أنس بن مالك رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم  كان إذا أفطر عند أهل بيت قال لهم : أفطر عندكم الصائمون , وأكل طعامكم الأبرار , وصلت عليكم الملائكة رواه أحمد (3/118) ، وصححه الألباني في "الكلم الطيب" (140) .

9-     وكان صلى الله عليه وسلم ربما واصل في رمضان الصيام إلى اليوم التالي , ولكن هذا كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم  ، فلا يشرع للإنسان الوصال , ومن أحب أن يواصل فقد رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم  إلى السحر , والأولى تركه .

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال , فقال رجل من المسلمين : فإنك يا رسول الله تواصل ؟! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وأيكم مثلي , إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " . فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما , ثم يوما , ثم رأوا الهلال , فقال :   لو تأخر الهلال لزدتكم   . كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا . رواه البخاري (1965) ، ومسلم (2/774) .

وعن أنس بن مالك قال : أخذ يواصل رسول الله صلى الله عليه وسلم  , وذاك في آخر الشهر , فأخذ رجال من أصحابه يواصلون , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :   ما بال رجال يواصلون , إنكم لستم مثلي , أما والله لو تمادَّ لي الشهر لواصلت وصالا يدع المتعمقون تعمقهم  رواه مسلم (2/776) .

(فائدة )

قال العلامة ابن القيم : " وقد اختلف الناس في هذا الطعام والشراب المذكورين على قولين :

أحدهما : أنه طعام وشراب حسي للفم ....

الثاني : أن المراد به ما يغذيه الله به من معارفه ، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته ، وقرة عينه بقربه ، وتنعمه بحبه ، والشوق إليه ، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ، ونعيم الأرواح ، وقرة العين ، وبهجة النفوس والروح والقلب بما هو أعظم غذاء وأجود وأنفعه ، وقد يقوى هذا الغذاء حتى يغني عن غذاء الأجسام مدة من الزمان ) انتهى من  "زاد المعاد" (2/32) .

والصحيح هو المعنى الثاني كما نص على ذلك ابن رجب في "لطائف المعارف" (ص :345) .

 

 

إرسال الملاحظات