هل من التكبر تلقيب المرء نفسه بالدكتور ؟
أليس من التكبر أن يلقب المسلم نفسه بـ " الدكتور " ، ويضع كلمة " الدكتور " أمام اسمه عند الكتابة ، مثل الدكتور فلان بن فلان ، أليس من التكبر أن يفخر بشهادة الدكتوراة في أي سلك كان ، هندسة ، أو علوم ، أو طب ؟
أليس من التكبر أن يضيف إلى اسمه كلمة " الدكتور " ولو كان حاصلا على شهادة الدكتوراة في الهندسة مثلا أو أية علوم أخرى ؟
أم له الحق أن يلقب نفسه بالدكتور بعد عناء طويل وجهد لسنوات طوال في الدراسة ؟
الجواب
الحمد لله.
تلقيب الشخص نفسه بـ " الدكتور " يختلف حكمه بحسب السياق والمقام :
أولا :
إذا جاء في سياق التعريف بنفسه في مقام يحتاج فيه إلى التعريف ، كما هو الشأن في
تأليف الكتب مثلا ، وكتابة الأبحاث ، والمشاركة في المؤتمرات والندوات ، وتقديم
البرامج النافعة على الفضائيات ، ونحو ذلك من المقامات التي تقتضي التعريف بالنفس ،
حتى تكتمل صورة الاعتماد العلمي ، والاعتراف بالتخصص المراد الحديث عنه .
ففي هذه الحالة لا بأس بتقديم الشخص نفسه باسم " الدكتور فلان "، ولا حرج أن يكتب
على جلدة مؤلفه حرف (الدال) يرمز به لشهادة " الدكتوراة ". وذلك لأسباب عدة :
السبب الأول :
أن محذور التكبر والخيلاء ضعيف في هذا المقام ، وإن كان يرد في قلوب بعض الناس ،
لكن ملحظ " التعريف المجرد " ههنا قوي أيضا ، ويقصده كثير من العلماء في هذا الحال
ولا ضير .
السبب الثاني :
أن الفقهاء والعلماء في القديم والحديث ما زالوا يعرفون عن أنفسهم بذكر أسماء
بلدانهم أو قبائلهم ، وبذكر مذاهبهم التي ينتسبون إليها ، ولا يجدون حرجا في ذلك ،
رغم ما فيه من احتمال التعصب للمذهب ، أو التفاخر بالأصل والفصل ، ولكنهم غلبوا
الجانب التعريفي المحض في هذا السياق على الملحظ الممنوع . ولا فرق بين هذه الأوصاف
التي استعملها العلماء سابقا في التعريف عن أنفسهم ، وبين وصف " الدكتور " الذي يدل
على مرتبة علمية معينة .
السبب الثالث :
أن لقب " الدكتور " فقد كثيرا من دلالته العلمية لصالح دلالته التراتبية المحضة ،
بمعنى أن حامل هذا اللقب قد تسلسل في مراحل التعليم ، وقطع أشواطا منه إلى ما يسمى
بالدكتوراة ، ولا يعني أن حامل هذا اللقب عالم بتخصصه ، فهو وصف مجرد للمرحلة (
التعليمية ) ، وليس للمرحلة ( العالمية ) ، وفرق بين الوصفين .
بل نقول ـ أيضا ـ : إن هذا اللقب ، لشهرته ، وكثرته : قد فقد كثيرا من "بهجته" ،
ومكانته الاجتماعية ، بما يضعف جانب المحذور في ذكره ، جدا .
السبب الرابع :
أن أسماء العلماء والفقهاء والفضلاء الذين لقبوا أنفسهم بهذا اللقب في مؤلفاتهم
وأبحاثهم ومشاركاتهم كثيرة لا يمكن حصرها ، ولم يعد ذلك مستنكرا ولا مستغربا ، كما
لم يعد هذا المقام علامة على كبر أو خيلاء والحمد لله .
يقول الزمخشري رحمه الله :
" قل من المشاهير في الجاهلية والإسلام من ليس له لقب ، ولم تزل في الأمم كلها من
العرب والعجم تجري في المخاطبات والمكاتبات من غير نكير ، غير أنها كانت تطلق على
حسب استحقاق الموسومين بها " انتهى من " ربيع الأبرار " (2/482) .
ثانيا :
أما إذا استعمل لقب " الدكتور " في سياق مبالغ فيه ، فيصير حامله لا يتحدث عن نفسه
إلا مقترنا بهذا اللقب ، ويسمي نفسه به في المقام الذي يحتاجه فيه والمقام الذي لا
يحتاجه ، ويطالب كل من حوله بالمحافظة عليه في ندائه أو خطابه ، أو يتسمى به على
وجه الفخر والخيلاء في قلبه ونفسه – وكل امرئ حجيج نفسه - ، فهذه بعض الأمارات على
كراهية هذا اللقب ، وظهور ملحظ الخيلاء فيه ، وإساءة استعمال من حامله ، وهنا لا بد
من التذكير بالتواضع ، ولين الجانب ، وهضم الجناح ، وترك كل أسباب أمراض القلوب
والنفوس .
يقول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله :
" إن مبدأ هضم النفس ، واللصوق إلى الأرض ، ونحوهما من مكارم الأخلاق ، من حلية
المسلمين عامة ، وأهل العلم والمعرفة منهم خاصة ، ليحس المسلم بانخفاض مستواها عند
من يأنف من أن يدعى باسمه مجردا من هذا اللقب ، ومن يلفظ به عندما يعرف بشخصه ، أو
يرمز به في محرراته.
وهذا مسلك مناهض لآداب أهل العلم والمعرفة كافة .
ويستطيع الناظر في كتب التراجم عندما ينعم النظر في السير والرجال أن يتجلى له
بوضوح مظهر الانطباع بروح التواضع والافتقار ، ونتيجة لهذا فلن يرى من يلقب نفسه
بما كان يستحقه من لقب علمي ، أو لقب تزكية في حياته وزمانه ، بل سيرى مواقف الأنفة
من ذلك ، وهذا منتشر في كتب النقلة للسير والرجال .
فهذا الإمام المحدث أبو إسحاق السبيعي لما قال له شخص : أأنت الشيخ أبو إسحاق ؟ قال
: لا أنا أبو إسحاق .
وفي ترجمة القاضي أبي البركات الحنبلي ، المتوفى سنة (886هـ) ، كما في " ذيل رفع
الإصر " للسخاوي قال : " وألزم الموقعين بالمنع من مزيد الألقاب له ولأبيه ولجده ،
وأمرهم بالاقتصار على قاضي القضاة لكل منهم ، وقال : هذا وصف صحيح " .
انتهى من " تغريب الألقاب العلمية " (ص/314 من المجموعة العلمية) .
هذا وقد شدد الشيخ بكر أبو زيد النكير على من يتلقب بـ " الدكتور " مطلقا، في صفحات
طويلة وأوجه عديدة ، (ص318-334 من الرسالة السابقة) .
ولكن الذي نراه أولى وأوفق للصواب هو التفصيل السابق .
والله أعلم .