الخميس 17 شوّال 1440 - 20 يونيو 2019
العربية

لماذا التقيد بفهم السلف وهل أغلق باب الاجتهاد والنظر في الأدلة

258157

تاريخ النشر : 31-01-2017

المشاهدات : 3422

السؤال

أريد أن أسال لماذا يجب علينا أن نأخذ بفهم الأئمة الأربعة عن الإسلام ونأخذ فهم ابن تيمية وغيرهم بحيث أن زمنهم يختلف عن زمننا وحاجاتنا مختلفة ، بحيث لماذا توقف خروج أشخاص يفقهون بالدين أكثر منهم، زمننا الحالي ما أتى بجديد للدين ولا فهم جديد وما أدرانا أن فهم من سبقنا هو الصحيح ، بحيث أي شخص متعلم ومثقف جاء بفهم جديد لنص معين بالكتاب أو السنة يخالف ويعتبر خارج عن نهج السلف ؟

الحمد لله

أولا:

قد أنعم الله تعالى على هذه الأمة بحفظ كتابها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، وهذان هما المصدران الأساسيان للتشريع، ويتفرع عنهما الإجماع والقياس.

وهذه المصادر يمكن لأي عالم استنباط الأحكام بالنظر فيها، إذا توفرت فيه شروط الاجتهاد والنظر، من معرفته باللغة، والناسخ والمنسوخ، والعام والخاص، والمطلق والمقيد، أو ما يطلق عليه شروط الاجتهاد، وحاصلها ما يلي:

أولا: أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة .

ولا يشترط أن يكون حافظاً للسنة ، بل يكفي أن يكون متمكناً من استخراجها من مواضعها ، وآكد ذلك العلم بما في دواوين السنة المشهورة ، (صحيح البخاري وصحيح مسلم وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجه) وما يلتحق بها .

ويكون عالماً بالصحيح منها والضعيف .

 ثانيا: أن يكون عارفاً بمسائل الإجماع .

ثالثا: أن يكون عالماً بلسان العرب .

ولا يشترط حفظه له عن ظهر قلب ، وإنما يتمكن من معرفة معاني اللغة وخواص تراكيبها .

رابعا: أن يكون عالماً بأصول الفقه ، ومنه : القياس ، لأن أصول الفقه هو الأساس الذي يُبنى عليه استنباط الأحكام .

 خامسا: أن يكون عالماً بالناسخ والمنسوخ .

وينظر: "إرشاد الفحول" للشوكاني (2/297 – 303)، وجواب السؤال رقم (145071) ورقم (128024) .

وهذا الاجتهاد حاصل بحمد الله، فلا يزال في الأمة من يجتهد ويستنبط الأحكام على مر العصور، وليس الأمر كما ظننت، ولهذا فإن عشرات المسائل المستجدات تكلم فيها العلماء المعاصرون، كقضايا الاسستنساخ، والتلقيح الصناعي، والهندسة الوراثية، والاستصناع، وعقود التوريد، وبطاقات الائتمان، وغير ذلك، مما تجدينه في قرارات المجامع الفقهية المعتبرة، والهيئات العلمية المتخصصة.

هذا مع الإقرار بضعف الاجتهاد، وقلة المجتهدين في العصور المتأخرة لأسباب كثيرة ، منها ضعف الهمم، وعدم التفرغ، وإيثار التقليد، وغير ذلك.

 ثانيا:

لا يستغني عالم أو مجتهد عن النظر في فقه السلف، فإن وجد إجماعا لزمه الأخذ به؛ لأن الإجماع حجة قاطعة، وإن وجد اختلافا، استفاد من وقوفهم على الأدلة، وكيفية النظر فيها، وأعمل ذهنه وأدواته في الترجيح بين أقوالهم، فإن كانت المسألة مستجدة لم يتكلم فيها المتقدمون، فإنه ينظر في أصولها، وأقربِ المسائل إليها شبها، فيستنير بما قاله المتقدمون، فإن العلم يتصل بعضه ببعض، ولا يكاد يستغني متأخر عن متقدم في علم من العلوم، واعتبري ذلك بالعلوم الرياضية والفلكية والطبية ؛ فإنه مع تطور هذه العلوم لا يُستغنى فيها عن كلام المتقدمين.

 ثالثا:

مما ميز علم السلف عمن جاء بعدهم، قربهم من عهد الرسالة، وتمكنهم من اللغة وأدوات الاستنباط بالسليقة، مع تفرغهم للعلم، غالبا ، وإقبالهم عليه ، وبذلهم الوسع فيه، ووجودهم في بيئة معينة على ذلك، وهذا ، أو أكثره ، يفقده المتأخر ، لا سيما مع بعد العهد ، وتعقد الحياة وأساليبها ، وأنماط المعيشة .

 وأما المذاهب الأربعة فقد امتازت فوق ذلك على توفر همم الأفذاذ من العلماء على خدمتها، جمعا، وتنقيحا، وشرحا، وتعليقا، ومراجعة، وتمحيصا، مما جعل منها بناء محكما ، يستوعب عامة الأبواب الفقهية، ولا يكاد يخرج عنها إلا النوازل المستجدة التي لم تكن في عصرهم ، أو عصر من بعدهم، مع كون أصولهم، وكثير من فروعهم، ترشد إلى حكم هذه النوازل، إذا أحاط الفقيه بها، وأحسن النظر فيها.

 رابعا:

إذا لم يكن في المسألة إجماع، فالمعيار الذي يحكم به بصحة قول أو خطئه هو الدليل الشرعي، فكل قول يؤخذ منه ويرد، كما قال مالك رحمه الله.

 خامسا:

من جاء بفهم جديد لنص من الكتاب أو السنة، نُظر في فهمه، وطريقة استنباطه، ومدى موافقتها لقواعد الاستنباط الصحيحة، فيقبل منه ما وافق ذلك، وهذا لا يتصور في أكثر آيات القرآن الكريم، وإنما يتصور في بعض الآيات التي أشكل تفسيرها على المتقدمين، أو أن يكون قوله جامعا لأقوال من سبقه، أو منتزعا منها، وذلك أن الصحابة والتابعين أولوا القرآن عناية تامة، ونقلوا في تفسيره ما أخذوه عن نبيهم صلى الله عليه وسلم، ولم يفتهم من ذلك إلا الشيء اليسير.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :

" وأما التفسير الثابت عن الصحابة والتابعين : فذلك إنما قبلوه لأنهم قد علموا أن الصحابة بلغوا عن النبي صلى الله عليه وسلم لفظ القرآن ومعانيه جميعا ، كما ثبت ذلك عنهم .." .

" وهل يتوهم عاقل أنهم كانوا إنما يأخذون منه مجرد حروفه ، وهم لا يفقهون ما يتلوه عليهم ، ولا ما يقرؤونه ، ولا تشتاق نفوسهم إلى فهم هذا القول ، ولا يسألونه عن ذلك ، ولا يبتدئ هو بيانه لهم ؟ هذا مما يعلم بطلانه ، أعظم مما يعلم بطلان كتمانهم ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله." .

" فقولنا بتفسير الصحابة والتابعين : لعلمنا بأنهم بلغوا عن الرسول صلى الله عليه وسلم ما لم يصل إلينا إلا بطريقهم، وأنهم علموا معنى ما أنزل الله على رسوله ، تلقيا عن الرسول ؛ فيمتنع أن نكون نحن مصيبين في فهم القرآن ، وهم مخطئون .

وهذا يُعلم بطلانه ، ضرورة ، عادة وشرعا." انتهى .

انظر : "بغية المرتاد" (330-332) .

وأما السنة فقد تولى العلماء –عبر قرون- جمعها، وشرحها، والاستنباط منها، ومع ذلك فقد يجد المجتهد مجالا في تصحيح حديث ضُعّف، أو العكس، أو استنباط معنى خفي، أو ترجيح معنى على معنى، وفضل الله يؤتيه من يشاء.

وينظر للفائدة : رسالة "فهم السلف الصالح" للدكتور عبد الله بن عمر الدميجي ، وفقه الله .

والحاصل : أن باب الاجتهاد مفتوح لمن يملك أدواته، وإنما يجب الحذر من اجتهاد إنسان لم يملك أدوات الاجتهاد، فلا علم له باللغة، ولا بطرق الاستنباط، ولا بجمع الأدلة في الموطن الواحد، فهذا قلما يصيب، بل يأثم باجتهاده، ويفتن نفسه وغيره بالكلام في دين الله بغير علم، وما أكثر هؤلاء في هذه الأزمنة.

جاء في فتاوى اللجنة الدائمة (5/ 25): "  هل باب الاجتهاد مغلق أم غير مغلق؟

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد:

باب الاجتهاد لم يغلق بل هو مفتوح : لأهل العلم والإيمان والبصيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، وكلام من سلف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعهم بإحسان من أهل العلم والإيمان.

أما من ليس كذلك : فالواجب عليه سؤال أهل الذكر، كما نص على ذلك أهل العلم.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز" انتهى.

 وجاء في " الموسوعة الفقهية " (1 / 40- 43) :

" من استطاع أن يجتهد : فعليه أن يجتهد ؛ متى توفرت له أسبابه ، وتوفرت فيه شروطه التي سنبينها بالتفصيل - إن شاء الله - في الملحق الأصولي لهذه الموسوعة.

ومن العجب :أن بعض هؤلاء المغالين يقول: إنه يكفي الشخص ليكون مجتهدا أن يكون لديه مصحف ، وسنن أبي داود وقاموس لغوي، فيصبح بذلك مجتهدا لا حاجة له إلى تقليد إمام من أئمة المسلمين، فلو أنه يكتفي بالمصحف وبسنن أبي داود والقاموس لكان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم مجتهدين؛ لأنهم إما عرب خلص، أو نشأوا في بيئة عربية خالصة، وشاهدوا أحداث التنزيل، وقريبو عهد برسول الله صلى الله عليه وسلم فذلك الادعاء يكذبه الواقع...

ومن العجب أن أكثر هؤلاء الذين يدعون الاجتهاد ، ويدعون إليه في هذه الأيام : لا يحسن أحدهم أن يقرأ آية صحيحة من المصحف، فضلا عن أن يستنبط منها حكما شرعيا !!

فأقل ما يجب أن يتصف به المجتهد : أن يكون متعمقا في اللغة العربية، عالما بالناسخ والمنسوخ، والعام والخاص والمطلق والمقيد، إلى غير ذلك مما يتطلب إعدادا خاصا ، لا يتوفر إلا للقلة القليلة المتفرغة...

إقفال باب الاجتهاد:

38 - ما إن أهل القرن السادس الهجري ، حتى نادى بعض العلماء بإقفال باب الاجتهاد، وقالوا: لم يترك الأوائل للأواخر شيئا !!

وكانت حجتهم في ذلك : قصور الهمم وخراب الذمم، وتسلط الحكام المستبدين، وخشية أن يتعرض للاجتهاد من ليس أهلا له، إما رهبة أو رغبة، فسدا للذرائع : أفتوا بإقفال باب الاجتهاد.

وتعرض بعض من خالف الأوائل في آرائهم لسخط العامة والخاصة، ولكن مع هذا فقد كان يظهر بين الفينة والفينة من ادعى الاجتهاد ، أو ادُّعِيَ له، وكانت لهم اجتهادات لا بأس بها ، كابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والكمال بن الهمام ، الحنفي المذهب. فقد كانت له اجتهادات خرج فيها على المذهب. . . ومن هؤلاء تاج الدين السبكي صاحب جمع الجوامع، وأبوه من قبله.

وأيا ما كان ، فقد كان اجتهاد هؤلاء لا يخرج عن ترجيح رأي على رأي، أو حل لمشكلة عارضة لم يتعرض لها الأئمة المتقدمون.

والذي نَدين الله عليه: أنه لا بد أن يكون في الأمة علماء متخصصون، على علمٍ بكتاب الله، وسنَّة رسوله، ومواطن الإجماع، وفتاوى الصحابة، والتابعين، ومن جاء بعدهم .

كما ينبغي أن يكونوا على خبرة تامة باللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم، ودونت بها السنَّة النبوية .

وأن يكونوا ، قبل ذلك ، وبعد ذلك : على الصراط المستقيم، لا يخشون في الله لومة لائم، لترجع إليهم الأمة فيما نزل بها من أحداث، وما يجدّ من نوازل .

وألا يُفتح باب الاجتهاد على مصراعيه، فيلج فيه من لا يحسن قراءة آية من كتاب الله في المصحف، كما لا يُحسن أن يجمع بين أشتات الموضوع، ويرجح بعضها على بعض.

والذين أفتوا بإقفال باب الاجتهاد : إنما نزعوا عن خوفٍ من أن يدَّعي الاجتهاد أمثال هؤلاء، وأن يفتري على الله الكذب، فيقولون هذا حلال وهذا حرام، من غير دليل ولا برهان ...

فقد رأينا في عصرنا هذا من أفتى بحل الربا الاستغلالي دون الاستهلاكي، بل منهم من قال بحله مطلقاً؛ لأن المصلحة - في زعمه - توجب الأخذ به .

ومنهم مَن أفتى بجواز الإجهاض ابتغاء تحديد النسل، لأن بعض الحكام يرى هذا الرأي، ويسميه " تنظيم الأسرة " .

ومنهم من يرى أن إقامة الحدود لا تثبت إلا على من اعتاد الجريمة الموجبة للحدِّ .

ومنهم ... ومنهم ...

فأمثال هؤلاء هم الذين حملوا أهل الورع من العلماء على القول بإقفال باب الاجتهاد.

ولكنا نقول:

إن القول بحرمة الاجتهاد ، وإقفال بابه جملة وتفصيلاً : لا يتفق مع الشريعة ، نصّاً وروحاً .

وإنما القولة الصحيحة : هي إباحته، بل وجوبه على من توفرت فيه شروطه؛ لأن الأمَّة في حاجة إلى معرفة الأحكام الشرعية فيما جدَّ من أحداث ، لم تقع في العصور القديمة" انتهى.

وفي هذا النقل كفاية لمن أراد الله هداه.

 وينظر للفائدة : رسالة "بدعة إعادة فهم النص" للمشرف العام على الموقع .

https://almunajjid.com/295

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات