الأربعاء 18 جمادى الأولى 1440 - 23 يناير 2019
العربية

هل تتعارض قصة الغرانيق مع قوله صلى الله عليه وسلم: (اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ) ؟

297388

تاريخ النشر : 06-01-2019

المشاهدات : 616

السؤال

لدي سؤال عن قصة الغرانيق ، فقد وجدت كلاما في أحدى الفتاوى في هذا الموقع الموقر ، والذي طالما أرجع إليه يفيد بجواز أن يكون النبي قال بنفسه تلك الكلمات المعروفة ، وسؤالي : ألا يتعارض هذا مع قول النبي لعبد الله بن عمرو( اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إالا الحق) ، وأشار إلى فمه الشريف ، فكيف يكون الجمع بينهما لو قلنا : إن النبي هو القائل ؟

الحمد لله

قصة الغرانيق مختلف في ثبوتها، وقد صحت عن جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة، وقد رجحنا في جواب السؤال رقم : (177218) أن الذي سمعه المشركون ، كان مما ألقاه الشيطان على مسامعهم، ولم ينطق به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وقد رجح ذلك غير واحد من أهل العلم ، انظر " فتح الباري " (8/440).

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينطق بهذا، فلا إشكال فيما ذكر في السؤال ، ولا معارضة مع قوله صلى الله عليه وسلم:  اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ  رواه أحمد (6510) ، وأبو داود (3646) ؛ فإن هذا الكلام ، على فرض ثبوت القصة : لم يخرج من فم النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما ألقاه الشيطان ، في مسامع أصحابه .

وأما من يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم بذلك، فإنه يقول: لكنه لم يُقر عليه، بل نسخه الله وأبطله، وكان ذلك دليلا على صدق النبي صلى الله عليه وسلم.

قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (10/290): "وهذه العصمة الثابتة للأنبياء : هي التي يحصل بها مقصود النبوة والرسالة... فلا يستقر في ذلك خطأ ؛ باتفاق المسلمين .

ولكن هل يصدر ما يستدركه الله ، فينسخ ما يلقي الشيطان ويحكم الله آياته ؟

هذا فيه قولان : والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك .

والذين منعوا ذلك من المتأخرين : طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله : " تلك الغرانيق العلى ، وإن شفاعتهن لترتجى " ، وقالوا : إن هذا لم يثبت .

ومن علم أنه ثبت ، قال : هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ، ولم يلفظ به الرسول .

ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا ، وقالوا في قوله : ( إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ) هو حديث النفس .

وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف فقالوا : هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه ، والقرآن يدل عليه بقوله :   وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ . وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ   الحج/52-54

فقالوا : الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث ، والقرآن يوافق ذلك ، فإن نسخ الله لما يُلقي الشيطان ، وإحكامه آياته ، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته ، وتمييز الحق من الباطل ، حتى لا تختلط آياته بغيرها ، وجعل ما ألقى الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض ، والقاسية قلوبهم ، إنما يكون إذا كان ذلك ظاهرا يسمعه الناس ، لا باطنا في النفس ، والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ ، من جنس الفتنة التي تحصل بالنوع الآخر من النسخ. وهذا النوع أدل على صدق الرسول ، وبعده عن الهوى ، من ذلك النوع ؛ فإنه إذا كان يأمر بأمر ثم يأمر بخلافه - وكلاهما من عند الله ، وهو مصدق في ذلك - ؛ فإذا قال عن نفسه : إن الثاني هو الذي من عند الله ، وهو الناسخ ، وإن ذلك المرفوع الذي نسخه الله ليس كذلك = كان أدل على اعتماده للصدق ، وقوله الحق ، وهذا كما قالت عائشة رضي الله عنها : " لو كان محمد كاتما شيئا من الوحي ، لكتم هذه الآية : ( وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ) "؛ ألا ترى أن الذي يُعَظِّمُ نفسَه بالباطل ، يريد أن ينصر كل ما قاله ، ولو كان خطأ ؟

فبيان الرسول : أن الله أحكم آياته ، ونسخ ما ألقاه الشيطان ؛ هو أدل على تحريه للصدق وبراءته من الكذب ، وهذا هو المقصود بالرسالة ، فإنه الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، ولهذا كان تكذيبه كفرا محضا بلا ريب " انتهى .

ومقصود قوله: اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ   : حصول الثقة بكلام النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يتحقق بتصويب الله لقوله ، ونسخ ما يدخل في كلامه من خطأ ؛ فإنه لو فرض وقوعه، لم يُقر عليه ، ولم يُضَفْ إلى الدين ما ليس منه.

والله أعلم.

المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب

إرسال الملاحظات