الحمد لله.
أولا :
تلبس الجني بالإنسي ودخوله بدنه وصرعه ثابت بالكتاب والسنة واتفاق العلماء .
ولكن شيئا من ذلك لا يحصل إلا بإذن الله .
ثانيا :
لا يمنع صرع الجن ومسّه من التزوج ، ولكن على من ابتلي بذلك من الطرفين أن يخبر
صاحبه به ؛ لأن هذا الصرع من العيوب المثبتة للخيار ، والتي يفوت بها بعض مقاصد
النكاح الأساسية . راجع إجابة السؤال رقم (135785) ، والسؤال رقم (158489) .
ثالثا :
أمثال هذه الحالات قد تؤثر على الزواج من جهة أن الزوج قد لا يصبر على هذا البلاء
الذي ابتليت به زوجته ، وقد يؤدي به ذلك إلى كراهة معاشرتها ؛ فلا يحسن إليها ولا
يعاشرها بالمعروف كما أمر الله .
أما من جهة تأثير الشيطان الذي تلبس بها على الزواج وعلى العشرة بين الزوجين ، فهذا
بحسب ما هما عليه من الإيمان والصبر ، فمن كان إيمانه قويا فإنه لا سبيل للشيطان
عليه ؛ كما قال تعالى : ( إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا
وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ
يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) النحل/ 99- 100 .
وقال تعالى : ( وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ
عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ
وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا * إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ
لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا ) الإسراء/ 64، 65 .
ومن كان إيمانه ضعيفا تلاعب به الشيطان كما يتلاعب الصبيان بالكرة .
رابعا :
هذا المس الشيطاني وما قد يعقبه من الصرع من البلاء الذي يجزي الله من ابتلي به
فصبر أعظم الجزاء .
روى البخاري (5652) ومسلم (2576) عن عَطَاء بْن أَبِي رَبَاحٍ قَالَ : " قَالَ لِي
ابْنُ عَبَّاسٍ : أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ؟ قُلْتُ بَلَى
قَالَ : هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ
اللَّهَ لِي ، قَالَ : ( إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ وَإِنْ شِئْتِ
دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ ) فَقَالَتْ أَصْبِرُ ، فَقَالَتْ إِنِّي
أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ . فَدَعَا لَهَا " .
قال النووي رحمه الله :
" فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الصَّرْع يُثَاب عَلَيْهِ أَكْمَلَ ثَوَاب " انتهى من "
شرح مسلم " (132/16).
وقال ابن حجر رحمه الله :
" وَعِنْد الْبَزَّار مِنْ وَجْه آخَر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي نَحْو هَذِهِ
الْقِصَّة أَنَّهَا قَالَتْ " إِنِّي أَخَاف الْخَبِيث أَنْ يُجَرِّدنِي " ...
وَقَدْ يُؤْخَذ مِنْ الطُّرُق الَّتِي أَوْرَدَتْهَا أَنَّ الَّذِي كَانَ بها كَانَ
مِنْ صَرْع الْجِنّ لَا مِنْ صَرْع الْخَلْط " انتهى من " فتح الباري " (115/10) .
خامسا :
يمكن علاج هذه المرأة وإخراج الجني منها بإذن الله وبحوله وقوته سبحانه ؛ فإن كيد
الشيطان ضعيف ، ولا سلطان له على المؤمن ولا على المؤمنة ، وإنما هو أذى يقدره الله
على من يشاء من عباده ، وهو للمؤمنين والمؤمنات رحمة وكفارة ورفعة للدرجات .
وأفضل وسيلة للعلاج من هذا ، قراءة القرآن الكريم على المصاب ورقيته بالأدعية
الواردة ، مع محافظته على الأوراد الشرعية من تلاوة القرآن والأذكار ، ويزول ما فيه
بإذن الله تعالى .
قال الحافظ :
" وَفِي الْحَدِيث أَنَّ عِلَاج الْأَمْرَاض كُلّهَا بِالدُّعَاءِ وَالِالْتِجَاء
إِلَى اللَّه أَنْجَع وَأَنْفَع مِنْ الْعِلَاج بِالْعَقَاقِيرِ , وَأَنَّ تَأْثِير
ذَلِكَ أَعْظَم مِنْ تَأْثِير الْأَدْوِيَة الْبَدَنِيَّة , وَلَكِنْ إِنَّمَا
يَنْجَع بِأَمْرَيْنِ : أَحَدهمَا مِنْ جِهَة الْعَلِيل وَهُوَ صِدْق الْقَصْد ,
وَالْآخَر مِنْ جِهَة الْمُدَاوِي وَهُوَ قُوَّة تَوَجُّهه وَقُوَّة قَلْبه
بِالتَّقْوَى وَالتَّوَكُّل " انتهى من " فتح الباري " (115/10) .
راجع إجابة السؤال رقم : (1819) ، والسؤال رقم (105336) .
سادسا :
الذي ننصحك به أن تتأنى في أمر هذا الزواج ، وتنظر في أمر نفسك ، وأمر الفتاة ؛ فإن
غلب على ظنك أن تحتمل مثل هذه الحالة ، وسوف تصبر عليها ، خاصة بعد وقوفك على
طبيعتها ، ممن يعرفها ، أو قام بعلاجها ، وكانت الفتاة مرضية الدين والخلق : فتوكل
على الله ، وتقدم لها ، خاصة وأن بينكما رحما ، وأنت أولى بها ، وأصبر عليها ـ إن
شاء الله ـ من غيرك .
وإن كنت تعلم أنك لن تصبر على مثل ذلك ، وربما شق عليك إكمال الطريق معها ؛ فمن
الآن إذا ، ولا داعي لأن تفتح على نفسك بابا يشق عليك احتماله أو إغلاقه .
راجع إجابة السؤال رقم (158489) .
والله أعلم .