الجمعة 4 ربيع الأول 1436 - 26 ديسمبر 2014

101873: هل تقبل توبة الساحر ومن وقع في الردة ؟


قرأت في موقعكم أن التائب يرجو قبول التوبة ولا يجزم بذلك فهل يرجو قبولها أيضا من ارتد عن الإسلام ثم تاب ورجع خاصة وأن ردته كانت بسبب فعل السحر ؟ وإن كان الجواب هو أن يرجو فقط فهل يعد هذا الرجاء كالريب الذي في قلوب المنافقين خاصة وأن هذا الريب أو الشك يكون في قبول الإيمان وليس في قبول التوبة من ذنب دون الكفر أرجوكم إجابتي بسرعة فاني والله لا أكاد أنام من الخوف .

الحمد لله
من وقع في الكفر أو الردة ثم تاب إلى الله تعالى ، وأتى بالإسلام صادقا مخلصا ، تاب الله عليه ، وبدل سيئاته حسنات ، كما وعد سبحانه ، والله لا يخلف الميعاد .
ولا ينبغي للعبد أن يشك في ذلك ، وقد صرح جماعة من أهل العلم بأن التوبة من الكفر مقبولة قطعا ، بخلاف التوبة من المعاصي ، فقيل تقبل قطعا ، وقيل تقبل ظنا .
قال النووي رحمه الله في "شرح مسلم" : " تَوْبَة الْكَافِر مِنْ كُفْره مَقْطُوع بِقَبُولِهَا , وَمَا سِوَاهَا مِنْ أَنْوَاع التَّوْبَة هَلْ قَبُولهَا مَقْطُوع بِهِ أَمْ مَظْنُون ؟ فِيهِ خِلَاف لِأَهْلِ السُّنَّة , وَاخْتَارَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ مَظْنُون , وَهُوَ الْأَصَحّ . وَاَللَّه أَعْلَم " انتهى .
وقال العراقي في "طرح التثريب" (8/40) : " التوبة تكفر المعاصي الكبائر ، وهو مجمع عليه ، لكن هل تكفيرها قطعي أو ظني ؟ أما في التوبة من الكفر فهو قطعي ، وأما في غيره من الكبائر فللمتكلمين من أهل السنة فيه خلاف . قال النووي : والأقوى أنه ظني ، وذهب المعتزلة إلى وجوب قبول التوبة عقلا على طريقتهم في تحكيمهم العقل .
وقال أبو العباس القرطبي : والذي أقوله : أن من استقرأ الشريعة قرآنا وسنة وتتبع ما فيهما من هذا المعنى علِم على القطع واليقين أن الله تعالى يقبل توبة الصادقين " انتهى.
وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" (1/914) : " وأمّا علماء السنّة فافترقوا فرقتين : فذهب جماعة إلى أنّ قبول التوبة مقطوع به لأدلّة سمعيّة ، وهي وإن كانت ظواهر ، غير أنّ كثرتها أفادت القطع..." انتهى .
والحاصل : أن من تاب من الكفر والردة فليبشر بالخير ، فإن الإسلام يجب ما قبله ، ويهدم ما كان قبله ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه : ( أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ ) رواه مسلم (121).
وقال تعالى : ( كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) آل عمران/86 -89
ويدخل في هذا من كان كفره من جهة التعامل بالسحر ، فإنه إذا تاب إلى الله تعالى ، تاب الله عليه ، هذا فيما بينه وبين ربه ، وأما قبول توبة الساحر في الدنيا ، ففيها تفصيل سبق بيانه في جواب السؤال رقم (69914) .
وأما معنى رجاء التوبة وعدم الجزم بها ، في التوبة من المعاصي دون الكفر ، فهو أن العبد يظل على خوف من عدم قبول توبته ، لكنه يرجو ويأمل من ربه القبول ، وليس المعنى أنه يكون في ريب أو شك من قبول الإيمان ، أو في ريب كريب المنافقين ، بل هو جازم بإيمانه ، لكن يخشى أن يعاقبه الله على ذنبه إذا لم يقبل توبته .
والذي ينبغي لك أيها الأخ الكريم أن تقبل على الله تعالى ، وتشتغل بطاعته ، وتحسن الظن به ، وتعلم أنه يقبل التائبين ، ويكرم الطائعين ، ويحب المستغفرين ، ويفرح بالعائدين ، يقرّبهم ، ويدنيهم ، ويسعدهم ، ويفتح عليهم ، وينور قلوبهم ، ويحبب إليهم ذكره وطاعته ، فاحرص أن تكون من هؤلاء ، ولا تصغ إلى وسوسة الشيطان ، فإنه ينفر من التوبة ، ويقنّط منها ، ليستمر العبد في غيه وضلاله ، يقول له : كيف يقبل الله منك وقد فعلت كذا وكذا ، ولِمَ تضيق على نفسك وأنت مطرود على كل حال ؟ وهذا من كذبه وتلبيسه وإضلاله ، فإن الله تعالى أرحم بالعبد من الوالدة بولدها ، ولهذا سهّل التوبة ، وعظّم أجر التائبين ، يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل .
فتب إلى الله تعالى ، وأبشر بالخير والفلاح .
زادنا الله وإياك هدى وتوفيقا وفلاحا ونجاحا .
والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا