125854: مذاهب العلماء في زكاة الدَّيْن، والراجح من أقوالهم


دخلت مع أحد الأشخاص كشريك مساهم بالمال فقط ، وهو يتولى العمل ، ولكنني لم يعجبني العمل ، فلم أطلب منه أي فوائد ، كما أنه لم يعطني شيئاً ، بعد ثلاث سنوات طلبت منه أن يعطيني المال الذي أعطيته ، ولكنه يقول : إن ظرفه لا يسمح له في الوقت الحالي ، ويبرم لي مواعيد من حين لآخر ، غير أني متأكد من أنه سيرد لي هذا المال ، إلا أني أتساءل ما إذا كان على هذا المبلغ من زكاة يجب دفعها

الحمد لله

الدَّين الذي للمسلم على غيره لا يخلو من أن يكون على أحد حالين :

الأولى : أن يكون عند مقرٍّ به ، معترف بمقداره ، باذل له .

والثانية : أن يكون عند معترف به ، لكنه معسر ، أو مماطل ، أو يكون عند جاحد له .

ففي الحال الأولى : يزكي الدَّين بإضافته إلى ما معه من مال ، فيزكي عن جميع ماله ، وذلك كل عام ، ولو لم يقبضه من المدين ؛ لأنه بمثابة الوديعة ، ويجوز له أن يؤجل أداء زكاة الدَّيْن لحين قبضه ، ويؤدي زكاته عن الأعوام كلها .

وفي الحال الثانية : ليس عليه زكاة ، لكنه إذا قبضه فالأحوط له : أن يزكيه عن عامٍ واحد ، ولو مكث عند المعسر ، أو المماطل ، أو الجاحد ، أعواماً عديدة .

هذا ملخص للراجح من أقوال العلماء في هذه المسألة ، وهناك اختلاف بينهم فيما ذكرنا من مسائل ، وهذا عرض مختصر لأقوالهم في ذلك :

جاء في " الموسوعة الفقهية " ( 23 / 238 ، 239 ):

"الدَّيْن مملوك للدائن ، ولكنه لكونه ليس تحت يد صاحبه : فقد اختلفت فيه أقوال الفقهاء : فذهب ابن عمر ، وعائشة ، وعكرمة مولى ابن عباس رضي الله عنهم : إلى أنه لا زكاة في الدَّين ، ووجهه : أنه غير نامٍ ، فلم تجب زكاته ، كعروض القُنية - وهي العروض التي تقتنى لأجل الانتفاع الشخصي - .

وذهب جمهور العلماء : إلى أن الدَّيْن الحالَّ قسمان : دين حال مرجو الأداء ، ودين حال غير مرجو الأداء .

فالدَّين الحالُّ المرجو الأداء : هو ما كان على مقرٍّ به ، باذلٍ له ، وفيه أقوال : فمذهب الحنفية ، والحنابلة ، وهو قول الثوري : أن زكاته تجب على صاحبه كلَّ عام ؛ لأنه مال مملوك له ، إلا أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة منه ما لم يقبضه ، فإذا قبضه زكاه لكل ما مضى من السنين .

ووجه هذا القول : أنه ديْن ثابت في الذمة ، فلم يلزمه الإخراج قبل قبضه ؛ ولأنه لا ينتفع به في الحال ، وليس من المواساة أن يخرج زكاة مال لا ينتفع به ، على أن الوديعة التي يقدر صاحبها أن يأخذها في أي وقت ليست من هذا النوع ، بل يجب إخراج زكاتها عند الحول .

ومذهب الشافعي في الأظهر ، وحماد بن أبي سليمان ، وإسحاق ، وأبي عبيد : أنه يجب إخراج زكاة الديْن المرجو الأداء في نهاية كل حول ، كالمال الذي هو بيده ، لأنه قادر على أخذه والتصرف فيه .

وجعل المالكية الديْن أنواعا : فبعض الديون يزكَّى كل عام ، وهي دين التاجر المدير [أي الذي يبيع ويشتري للتجارة] عن ثمن بضاعة تجارية باعها .

وبعضها يزكَّى لحولٍ من أصله لسنَة واحدة عند قبضه ، ولو أقام عند المدين سنين ، وهو ما أقرضه لغيره من نقد ، وكذا ثمن بضاعة باعها محتكر .

وبعض الديون لا زكاة فيه ، وهو ما لم يقبض ، من نحو هبة ، أو مهر ، أو عوض جناية .

وأما الديْن غير المرجو الأداء : فهو ما كان على معسرٍ ، أو جاحد ، أو مماطل ، وفيه مذاهب : فمذهب الحنفية فيه ، وهو قول قتادة وإسحاق ، وأبي ثور ، ورواية عن أحمد ، وقول للشافعي : أنه لا زكاة فيه ؛ لعدم تمام المِلك ؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به .

والقول الثاني : وهو قول الثوري ، وأبي عبيد ورواية عن أحمد ، وقول للشافعي هو الأظهر : أنه يزكيه إذا قبضه لما مضى من السنين ؛ لما روي عن علي رضي الله عنه في الدين المظنون : (إن كان صادقا فليزكه إذا قبضه لما مضى) .

وذهب مالك إلى أنه: يزكيه إذا قبضه لعامٍ واحد وإن أقام عند المدين أعواماً ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، والحسن والليث ، والأوزاعي" انتهى باختصار يسير .

والذي رجحناه هنا : هو ما يفتي به علماء اللجنة الدائمة للإفتاء ، والشيخ محمد بن صالح العثيمين.

وانظر جواب السؤال رقم (1117) .

وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله بعد عرض الأقوال في المسألة - :

"والصحيح : أنه تجب الزكاة فيه كل سنة ، إذا كان على غني باذل ؛ لأنه في حكم الموجود عندك ؛ ولكن يؤديها إذا قبض الدين ، وإن شاء أدى زكاته مع زكاة ماله ، والأول : رخصة ، والثاني : فضيلة ، وأسرع في إبراء الذمة .

أما إذا كان على مماطل ، أو معسر : فلا زكاة عليه ، ولو بقي عشر سنوات ؛ لأنه عاجز عنه ، ولكن إذا قبضه : يزكيه مرة واحدة في سنَة القبض فقط ، ولا يلزمه زكاة ما مضى .

وهذا القول قد ذكره الشيخ العنقري في حاشيته عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ، وأحفاده ، رحمهم الله ، وهو مذهب الإمام مالك رحمه الله ، وهذا هو الراجح ؛ لما يلي :

أولاً : أنه يشبه الثمرة التي يجب إخراج زكاتها عند الحصول عليها ، والأجرة ، التي اختار شيخ الإسلام وجوب الزكاة فيها حين القبض ، ولو لم يتم عليها حول .

ثانياً : أن من شرط وجوب الزكاة : القدرة على الأداء ، فمتى قدر على الأداء : زكَّى .

ثالثاً : أنه قد يكون مضى على المال أشهر من السنَة قبل أن يخرجه ديْناً .

رابعاً : أن إسقاط الزكاة عنه لما مضى ، ووجوب إخراجها لسنَة القبض فقط : فيه تيسير على المالك ؛ إذ كيف نوجب عليه الزكاة مع وجوب إنظار المعسر ، وفيه أيضاً تيسير على المعسر ؛ وذلك بإنظاره .

ومثل ذلك : المال المدفون المنسي ، فلو أن شخصاً دفن ماله خوفاً من السرقة ، ثم نسيه : فيزكيه سنة عثوره عليه فقط .

وكذلك المال المسروق إذا بقي عند السارق عدة سنوات ، ثم قدر عليه صاحبه : فيزكيه لسنَة واحدة ، كالديْن على المعسر" انتهى .

" الشرح الممتع على زاد المستقنع " ( 6 / 27 ، 28 ) .

والخلاصة :

عليك أن تزكي هذا المال عن السنوات الثلاثة التي كنت مشاركاً فيها لصاحبك .

وبعد ذلك ـ من أول اتفاقك معه على رد المال ـ فقد تحول هذا المال من مال مشاركة إلى دَيْن على صاحبك ، والظاهر من حال صاحبك أنه معسر ، فلا زكاة عليك في هذا المال حتى تقبضه ، فتزكيه عن سنة واحدة فقط ، وإن كان قد بقي في ذمة صاحبك عدة سنوات .

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا