السبت 19 جمادى الآخر 1435 - 19 أبريل 2014
148358

حكم تطبيق أحكام التجويد على غير القرآن الكريم

السؤال: ما حكم تطبيق أحكام التجويد على غير القرآن ( الإدغام ، والإخفاء .....وهكذا ) فمثلا على الأحاديث أو الأذكار أو حتى الكلام العادي ؟

 

الجواب :

الحمد لله

اختلف أهل العلم في حكم تجويد القراءة بالحديث الشريف وغيره من الكلام ، على نحو ما يفعل في قراءة القرآن ، على قولين :

القول الأول : أنه عمل غير مشروع .

ذهب إليه الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ، والشيخ بكر أبو زيد رحمه الله ، وبعض العلماء المعاصرين .

واستدلوا على ذلك بأدلة ، منها :

قالوا : هذا العمل محدث ، والأصل في المحدثات المتعلقة بالعبادات أنها من البدع حتى يثبت الدليل على مشروعيتها .

في ترتيل قراءة الحديث النبوي الشريف والأذكار النبوية إيهام أنها من القرآن الكريم ، والأصل صيانة كتاب الله عن الاختلاط بغيره من الكلام .

ترتيل غير كلام الله من عادات أحبار اليهود والنصارى ، وقد نهينا عن التشبه بهم .

سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :

هل يجوز استخدام التجويد في غير القرآن ، كقراءة أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وغيرها ؟

فأجاب :

ذكر بعض المتأخرين في تفسير قوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَاب ) آل عمران/78

ذكر بعض المتأخرين : أن من ذلك أن يتلو الإنسان غير القرآن على صفة تلاوة القرآن ، مثل أن يقرأ الأحاديث - أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم - كقراءة القرآن ، أو يقرأ كلام أهل العلم كقراءة القرآن .

وعلى هذا : فلا يجوز للإنسان أن يترنم بكلامٍ غير القرآن على صفة ما يقرأ به القرآن ، لا سيما عند العامة الذين لا يُفَرِّقون بين القرآن وغيره إلا بالنغمات والتلاوة .

" فتاوى نور على الدرب " (شريط/212)

http://www.ibnothaimeen.com/all/noor/article_8021.shtml

ويقول الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله :

" بدعة التلحين والتطريب في الأذان ، وفي الذكر ، وفي الدعاء ، وفي الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، والترنم في خطبة الجمعة ، والجهر بالذكر والدعاء والصياح به مع الجنائز في عدة أحوال ، والذكر بالجوقة – وهي الذكر الجماعي بين كل ترويحتين – والجهر بالذكر عند سفر الحجاج وعند قدومهم ، ورفع الصوت بالتعريف في الأمصار ، والزعاق بالتأمين في الصلاة ، ورفع الصوت جماعة بعد الصلاة بقراءة آية الكرسي ، وقول المؤذن بصوت مرتفع بعد الصلاة : اللهم أنت السلام ...ورفع الصوت بعد الصلاة بالسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ، وغيرها مما يكون توصيفه بدعة ، والتصويت به بدعة مضافة إليها ، أو أن التصويت والجهر به مبتدع .

وقد عرف رفع الصوت باسم : " التقليس " ، وذكر الطرطوشي في "الحوادث والبدع/63" أن الإمام مالكا رحمه الله تعالى أنكر " التقليس " في الدعاء ، وهو رفع الصوت به .

كما جاء النهي عن : " التقليس " في القراءة ، أي : رفع الصوت بها في وصف الإمام الشافعي رحمه الله تعالى للإمام أبي يوسف رحمه الله تعالى قال : كان أبو يوسف قلاسا .

أي : يرفع صوته بالقراءة ، وقد بينته في " بدع القراء " (ص/15-16)

وقد سَرَت بعض هذه المحدثات إلى بعض قُفاة الأثر ، فتسمع في دعاء القنوت عند بعض الأئمة في رمضان الجهر الشديد ، وخفض الصوت ورفعه في الأداء حسب مواضع الدعاء ، والمبالغة في الترنم ، والتطريب ، والتجويد ، والترتيل ، حتى لكأنه يقرأ سورة من كتاب الله تعالى ، ويستدعي بذلك عواطف المأمومين ليجهشوا بالبكاء .

والتعبد بهذه المحدثات في الإسلام ، وهذه البدع الإضافية في الصوت والأداء للذكر والدعاء هي في أصلها من شعائر الجاهلية التي كانوا يظهرونها في المسجد الحرام ، كما قال الله تعالى منكرا عليهم : ( وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية ) الأنفال/35، المكاء : الصفير ، والتصدية : التصفيق بضرب اليد على اليد بحيث يسمع له صوت .

قال الآلوسي رحمه الله تعالى : " والمقصود أن مثل هذه الأفعال لا تكون عبادة ، بل من شعائر الجاهلية ، فما يفعله اليوم بعض جهلة المسلمين في المساجد من المكاء والتصدية ، يزعمون أنهم يذكرون الله ، فهو من قبيل فعل الجاهلية ، وما أحسن ما يقول قائلهم :

أقال الله صفق لي وغن  *** وقل كفرا وسم الكفر ذكرا " انتهى.

وما يتبعها من الألحان ، والتلحين ، والترنم ، والتطريب ، هو مشابهة لما أدخله النصارى من الألحان في الصلوات ، ولم يأمرهم بها المسيح ، ولا الحواريون ، وإنما ابتدعه النصارى كما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى .

ولهذا نرى ونسمع في عصرنا الترنم والتلحين في الدعاء من سيما الرافضة والطرقية ، فعلى أهل السنة التنبه للتوقي من مشابهتهم " انتهى.

" تصحيح الدعاء " (82-84)

القول الثاني :

لا بأس في التغني في قراءة الأحاديث النبوية والمتون العلمية ، وكذلك الأذكار والأدعية الشرعية وتجويدها ، بشرط عدم المبالغة ، وهو قول بعض الفقهاء المتأخرين ، واختاره غير واحد من علمائنا المعاصرين ، كالشيخ ابن باز رحمه الله والشيخ صالح الفوزان حفظه الله وغيرهم .

يقول الإمام محمد بن محمد البديري الدمياطي رحمه الله :

" وأما قراءة الحديث مجودة كتجويد القرآن ، من أحكام النون الساكنة ، والتنوين ، والمد ، والقصر ، وغير ذلك ، فهي مندوبة ، كما صرح به بعضهم .

لكن سألت شيخي خاتمة المحققين الشيخ علي الشبراملسي تغمده الله تعالى بالرحمة حالة قراءتي عليه صحيح الإمام البخاري عن ذلك ، فأجابني بالوجوب ، وذكر لي أنه رأى ذلك منقولاً في كتاب يقال له : " الأقوال الشارحة في تفسير الفاتحة "، وعلل الشيخ حينئذ ذلك بأن التجويد من محاسن الكلام ، ومن لغة العرب ، ومن فصاحة المتكلم ، وهذه المعاني مجموعة فيه صلى الله عليه وسلم ، فمن تكلم بحديثه صلى الله عليه وسلم فعليه مراعاة ما نطق به صلى الله عليه وسلم " انتهى.

نقلا عن " حاشية الأجهوري على شرح الزرقاني على المنظومة البيقونية " (ص/227) .

بل يبدو أنها عادة قديمة لدى العلماء ، فقد جاء في " وفيات الأعيان " (4/282) في ترجمة الحميدي الأندلسي قال : " وكان موصوفا بالنباهة والمعرفة والإتقان والدين والورع ، وكانت له نغمة حسنة في قراءة الحديث " انتهى.

واستدلوا على ذلك بأدلة عدة ، منها :

1- ورد النص الصريح في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربه على سبيل الرجز ، وذلك في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه قال :

( رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ يَنْقُلُ التُّرَابَ حَتَّى وَارَى التُّرَابُ شَعَرَ صَدْرِهِ ، وَكَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الشَّعَرِ ، وَهُوَ يَرْتَجِزُ بِرَجَزِ عَبْدِ اللَّهِ :

اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا * وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا * وَثَبِّتْ الْأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا

إِنَّ الْأَعْدَاءَ قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا * إِذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا

يَرْفَعُ بِهَا صَوْتَهُ )

رواه البخاري (3034) ومسلم (1803)

2- أن أحكام التجويد إنما هي أحكام تجري على عادة العرب في القراءة واللفظ بالكلمات ، وليست فقط متعلقة بالقرآن الكريم ، فمن جوَّد قراءته للحديث الشريف وكلام أهل العلم إنما سار على مقتضى اللغة العربية .

3- ثم إن التغني بالقرآن الكريم معقول المعنى ، وليس أمرا تعبديا محضا ، والمعنى الملاحظ في ذلك هو تزيين القرآن الكريم بالأصوات الجميلة ، والقراءة السليمة ، والإقبال على التلاوة وتحبيب الناس بها ، وهذه المعاني متحققة أيضا في التغني بالدعاء والحديث الشريف وقراءة كتب أهل العلم في الدروس المتخصصة .

يقول الشيخ صالح الفوزان رحمه الله :

" تحسين الصوت ليس بتلحين ، التلحين غناء لا يجوز ، لكن تحسين الصوت بالقرآن ، وتحسين الصوت بالأذكار : هذا طيب " انتهى.

والله أعلم.

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا