الأربعاء 4 صفر 1436 - 26 نوفمبر 2014
en

96101: حكم الأكل من ثمار الأشجار المغروسة في المسجد أو حديقته


هل يجوز قطف الثمار من حديقة المسجد مقابل وضع مبلغ من المال في خزينة المسجد مقابل ذلك ؟ وشكرا

الحمد لله
أولا :
جمهور الفقهاء على كراهة غرس الأشجار في المسجد ، ومنهم من ذهب إلى التحريم ، ومنهم من قيد التحريم بما إذا ضيق على المصلين .
وعلة الكراهة أن المسجد لم يبن لهذا , وإنما بني لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن ; ولأن الشجرة تؤذي المسجد , وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها , ويسقط ورقها في المسجد وثمرها , وتسقط عليها العصافير والطيور فتبول في المسجد , وربما اجتمع الصبيان في المسجد لأجلها ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها .
ومنهم من جعل علة الكراهة الشبه بِبِيَع اليهود .
قال ابن قدامة رحمه الله : " ولا يجوز أن يغرس في المسجد شجرة . نص عليه أحمد , وقال : إن كانت غرست النخلة بعد أن صار مسجدا , فهذه غرست بغير حق , فلا أحب الأكل منها , ولو قلعها الإمام لجاز ; وذلك لأن المسجد لم يبن لهذا , وإنما بني لذكر الله والصلاة وقراءة القران , ولأن الشجرة تؤذي المسجد وتمنع المصلين من الصلاة في موضعها , ويسقط ورقها في المسجد وثمرها , وتسقط عليها العصافير والطير فتبول في المسجد , وربما اجتمع الصبيان في المسجد من أجلها , ورموها بالحجارة ليسقط ثمرها ) " انتهى من المغني (5/370).
وفي الفتاوى الهندية (1/110) : " ويكره غرس الشجر في المسجد ; لأنه تشبه بالبيعة وتشغل مكان الصلاة ، إلا أن يكون فيه منفعة للمسجد بأن كانت الأرض نزة لا تستقر أساطينها فيغرس فيه الشجر ليقل النز . كذا في فتاوى قاضي خان " انتهى .
وقال ابن الهمام رحمه الله : " ولا يجوز غرس الأشجار فيه إلا إن كان ذا نزٍّ والأسطوانات لا تستقر به ، فيجوز لتشرب ذلك الماء فيحصل بها النفع " انتهى من "فتح القدير" (1/421).
وقال زكريا الأنصاري رحمه الله : " ( و ) يكره ( حفر بئر وغرس شجر فيه ) بل إن حصل بذلك ضرر حرم ( فيزيله الإمام ) لئلا يضيق على المصلين هذا , وقد قال الأذرعي في غرس الشجرة في المسجد الصحيح تحريمه لما فيه من تحجير موضع الصلاة , والتضييق وجلب النجاسات من ذرق الطيور , ونقل عن جماعة قطع العراقيين بمنع الزرع , والغرس فيه " انتهى من "أسنى المطالب" (1/186).
وفي شرح الخرشي على خليل (7/48): " فائدة : صرح جماعة بمنع الغرس والزرع في المسجد وقالوا لا يجوز الحفر فيه ولا الدفن فيه قالوا : ولعل من يذكر الكراهة أراد كراهة التحريم " انتهى .
فتبين بهذا أن الفقهاء بين قائل بالتحريم وقائل بالكراهة ، وهذا فيما إذا غرس في المسجد بعد بنائه ، وأما إن كانت الأرض بها شيء من الشجر ، وبني المسجد عليها فلا حرج .
قال ابن قدامة في الموضع السابق : " فأما إن كانت النخلة في أرض , فجعلها صاحبها مسجدا والنخلة فيها فلا بأس " انتهى .
والذي يظهر أنه لا حرج أيضا فيما إذا كانت الأشجار في حديقة متصلة بالمسجد ، بحيث لا تضيق على المصلين ، ولا يتأذى المسجد بورقها .
ثانيا :
أما الأكل من ثمار هذه الأشجار ففيه تفصيل :
1- إن كان الواقف قد وقف الشجر مع المسجد ، وحدد مصرف الوقف ، بأن جعله للمساكين ، أو للأئمة أو الطلبة أو للمسجد ، مثلا ، عُمل بتحديده . وما وقف للمسجد ، يباع ويصرف في مصالحه.
2- وإن لم يكن حدد الجهة التي يصرف فيها الوقف ، ففي ذلك خلاف ، فقيل حكمه حكم الوقف منقطع الجهة ، فيكون لورثة الواقف ، موقوفا عليهم ، وقيل يجوز لمساكين المسجد ، وقيل يصرف في مصلحة المسجد .
3- ما غرس في المسجد ، ولم يوقف معه ، وحكمنا بكراهته أو تحريمه : إن كان غرس للمسجد ، فلا يؤخذ منه إلا بعوض يصرف في مصالح المسجد ، وإن غرس مسبّلا ، أو لم يعلم قصد غارسه ، جاز الأكل منه بلا عوض ، والأولى عدم الأكل منه ، ومن أكل ودفع العوض ليصرف في عمارة المسجد ، فلا حرج عليه .
وهذا بعض ما قاله الفقهاء في هذه المسألة :
قال ابن قدامة في الموضع السابق : " فأما إن قال صاحبها : هذه وقف على المسجد فينبغي أن يباع ثمرها , ويصرف إليه ".
وقال السفاريني رحمه الله : " مطلب : حكم أكل تمر شجر المسجد : وفي الفروع والإنصاف والإقناع والمنتهى والغاية وغيرها : فإن لم تقلع فثمرتها لمساكين المسجد . قال في الإنصاف : قال الحارثي : وهو المذهب . قال : والأقرب حله لغيرهم من المساكين أيضا . وقال الإمام أحمد رضي الله عنه : لا أحب الأكل منها .
وإن غرست قبل بنائه ووقفت معه , فإن عين مصرفها عمل به , وإلا فكمنقطع ، يعني تصرف على ورثة الواقف نسباً ، غنيهم وفقيرهم ، وقفاً عليهم على قدر إرثهم ، فيستحقونه كالميراث ويقع الحجب بينهم . فإن لم يكن له أقارب فللفقراء والمساكين وقفا عليهم . وقال الموفق : يجوز الأكل منها , وهو منصوص الإمام رضي الله عنه في رواية أبي طالب . وقدمه في المستوعب والرعاية الصغرى . وقال جماعة من الأصحاب : تصرف في مصالحه , وإن استغنى عنه فلجاره أكل ثمره . نص عليه وجزم به في الفائق , والمذهب الأول أنها إذا لم يعين مصرفها كالوقف المنقطع . جزم به في الإقناع والمنتهى والغاية . " (2/317).
وفي حاشية البجيرمي (3/103) : " ويكره غرس الشجر في المسجد كما في الروضة . قلت: وهو محمول على ما إذا لم يضر بالمسجد أو بالمصلين , ولم يقصد بها نفسه ، وإلا حرم , فإن غرس قُلع . والقالع له الإمام أو نائبه دون الآحاد ، سواء حرم غرسه أو كره ؛ لأن له إزالة المكروه . نعم ما غرس ليكون للمسجد ولا ضرر فيه لا يجوز قطعه لأنه ملك المسجد ; قاله القاضي , وينبغي تقييده بما إذا كان له ثمر ينتفع به المسجد وإلا قلع . والجاري على القواعد وجوب رعاية الأصلح من الإبقاء أو القلع .
وثمرة ما استحق القلع وغيره إن غرس للمسجد لم يجز أكلها إلا بعوض يصرفه في مصالحه. وإن كان مسبّلا للأكل ، أو جهل قصد الغارس جاز من غير عوض , ومثلها ثمرة ما في المقبرة المسبلة وكجهل قصده ما إذا لم يكن له قصد , ومثله ما إذا نبتت فيه بنفسها ) انتهى .
وقال ابن قدامة : " قال أبو الخطاب : عندي أن المسجد إذا احتاج إلى ثمن ثمرة الشجرة , بيعت , وصرف ثمنها في عمارته . قال : وقول أحمد يأكلها الجيران . محمول على أنهم يعمرونه " انتهى .
وعليه فإن كانت الحديقة المسئول عنها ، قد وُقفت ثمارها على جهة معينة ، فلا يجوز الأكل منها إلا لأهل تلك الجهة .
وإن كانت مسبّلة ، جاز الأكل منها بلا عوض .
وإن كانت موقوفة أو مغروسة لصالح المسجد ، فإنها تباع وتصرف في مصالحه ، ومن أخذ منها بمقابل يضعه في خزينة المسجد ، فقد أصاب .
والله أعلم .

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا