هل يصح وصف القرآن بأنه يمتص الأحزان كما يمتص الإسفنج الماء ؟

12-11-2014

السؤال 182558


ما حكم وصف القرآن الكريم بأنه يمتص الحزن كما يمتص الاسفنج الماء ؟

الجواب

الحمد لله.


القرآن كلام الله ، تكلم به على الحقيقة ، فلا بد أن يكون له في قلوبنا من الإجلال والتعظيم ما يليق به ، ولا يجوز التحدث عن القرآن أو وصفه أو تشبيهه بما يكون من شأنه الاستهانة به أو التقليل من مكانته أو النيل من منزلته في قلوب المؤمنين .

وأما تشبيه القرآن بما يعزز مكانته ويبين أثره في النفوس : فلا حرج فيه .
وقد روى الطبري (19/181) عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه في قوله تعالى : ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: " مثل المؤمن قد جعل الله الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة " .
وروى البخاري (5427) ، ومسلم (797) عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ ) .
ورأينا في كلام السلف تمثيل القرآن بالغيث وبالمصباح وبالمسك وبالروضات الدمثات .
فمثل هذا التمثيل يليق بكلام الله ؛ حيث لا مطعن فيه بوجه ، لا على وجه الشبه بين المشبه والمشبه به ، ولا على المشبه به .
أما تمثيل القرآن بالإسفنجة ، فهو تمثيل غير لائق ؛ لأن الإسفنجة من شأنها أنها تحتفظ بما تتشربه وتنضح به ، والقرآن لا يتشرب الأحزان والهموم والغموم ويحتفظ بها ، وإنما يزيلها بالكلية ، ويبدل القلب الحزين مكان حزنه الفرح والغبطة والسعادة ، وهذا لا يكون إلا للمؤمنين من أهل القرآن .
فروى أحمد (3704) عن ابن مسعود قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي ، إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا ) ، صححه الألباني في "الصحيحة" (199) .
فالقرآن يُذهب الله به الهم والحزن من النفوس ، ويبدلها مكان ذلك فرجاً وفرحاً ، لا أن القرآن يتشرب الهموم والأحزان .
قال ابن القيم رحمه الله : " قَالَ لي شيخ الاسلام رحمه الله – وقد جعلت أورد عليه إيراد بعد إيراد - لاتجعل قَلْبك للايرادات والشبهات مثل السفنجة فيتشربها فَلَا ينضح إلا بهَا ، وَلَكِن اجْعَلْهُ كالزجاجة المصمتة تمر الشُّبُهَات بظاهرها وَلَا تَسْتَقِر فِيهَا فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته ، وَإِلَّا فإذا أشربت قَلْبك كل شُبْهَة تمر عَلَيْهَا صَار مقرا للشبهات - أوْ كَمَا قَالَ - .
فَمَا أعْلَم أني انتفعت بِوَصِيَّة فِي دفع الشُّبُهَات كانتفاعي بذلك " .
انتهى من "مفتاح دار السعادة" (1/140) .
وكما لا يليق تشبيه القرآن بالإسفنجة من جهة وجه الشبه ، فكذا لا يليق من جهة المشبه به ، كما لا يليق تشبيه المؤمن بالكلب في الوفاء مثلا ، وإن كنا نصف الكلب بالوفاء ؛ لأن الكلب لا يضرب مثلا للمؤمن ؛ لخسته .
فمن أراد ضرب المثل فعليه بأمثال القرآن والسنة ، وأمثال السلف من الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين ، ولا يشتط في المثل حسب ما يمليه عليه اجتهاده دون تمعن وروية .
والخلاصة : أن تشبيه القرآن بالإسفنجة في ذهابه بالأحزان من القلب تشبيه لا يليق بكلام الله ، فينبغي عدم اعتماده والنهي عنه .
وقد عرضنا هذا السؤال على شيخنا عبد الرحمن البراك حفظه الله تعالى ، فقال : " هذا اللفظ لا يليق ، وينكر على من قاله ، بل يقال يذهب الحزن ، أما تشبيهه بالإسفنج والقول بأنه يمتص فهو تعبير جاهل " .
ويراجع للفائدة إجابة السؤال رقم : (6577) .
والله أعلم .

القرآن وعلومه المناهي اللفظية
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب