هل بعض نصوص القرآن والسنة فيها انتقاص للعبد الفقير المملوك والرجل الأبكم ونافخ الكير؟

29-08-2021

السؤال 333112

أشكل علي فهم آية وحديث من ناحية مشتركة، فالآية هي: (ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون)، وكذلك قوله تعالى: (ضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأتي بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل ومن هو على صراط مستقيم)، والحديث: (إِنَّمَا مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالحِ والجَلِيسِ السّوءِ كَحَامِلِ الْمِسْكِ وَنَافِخِ الْكِير، فَحَامِلُ الْمِسْكِ إمَّا أنْ يُحْذِيَكَ وَإِمَّا أنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً). فهل في هذه النصوص غض اجتماعي وتنقّصٌ للعبد الفقير المملوك وللرجل الأبكم ولنافخ الكير؟

الجواب

الحمد لله.

أولًا:

موقف الإسلام من بعض المهن والوظائف

سبق في جواب سؤال (موقف الإسلام من المهن والوظائف الدنيئة والمرموقة) أنه يوجد مهَن، ووظائف، يمكن الاصطلاح عليها بأنها "دنيئة"، كالحجامة، وكجمع القمامة، والعمل في المجاري، ونحو ذلك.

لكنَّ هذا لا يعني الانتقاص من أصحاب هذه المهمن والأعمال، ما داموا في عمل مباح، يتكسبون منه الحلال، ويأكلون من كسب أيديهم؛ وما أكل أحد طعاما قط، خيرا من كسب يده.

وننبه هنا إلى أمور:

  1. لا يعني أنها مهن دنيئة أنه يحرم العمل بها، وقد سبق بيان ذلك.
  2. قد تكون هذه المهن مناسبة لبعض الأشخاص، لكونه لا يحسن غيرها ـ مثلاً ـ فعمله بها خير له من البطالة، وأخذ الصدقات من الناس.
  3. لا شك أن المجتمع المسلم يحتاج لهذه المهن، وهي ضرورية، فعدم جمع القمامة لأيام قليلة، يعني صعوبة الحياة في ذلك المجتمع، ويعني انتشار الأمراض والأوبئة، ولذلك يجب على الدولة الإسلامية أن تُكرم أهل هذه الوظائف بميزات تشجيعية، حتى لا ينقطع الناس عن العمل بها.
  4. لا ينبغي تعيير من يعمل بهذه المهن أو إهانتهم، ممن قلَّت عنده فرص التعليم، أو كان ضعيف العقل، أو كانت له ظروف خاصة ألجأته إلى العمل في هذه المهن، فالعاملون بها بلا شك أفضل ممن يمد يده للناس، ويعرِّض وجهه للمذلة.

ثانيًا:

تفسير قوله تعالى (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا...)

وقوله تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)النحل/75 - 76.

يعني: إذا كان لا يستوي عندكم عبد مملوكٌ لا يَقْدِرُ على شيءٍ، وغنيٌّ مُوسَّعٌ عليه يُنْفِقُ مما رزقه الله؛ فكيف تجعلون الصَّنمَ الذي هو أسوأ حالًا من هذا العبد شريكًا لله؟! 

ينظر: "مفتاح دار السعادة" (2/ 1052).

وهذا أمر بدهيٌ وهو: أنه لا يستوي عند الناس هذا وذاك.

وليس في الآية أن العبد مذموم من حيث كونُه عبدًا!

وقد جاءت هذه الآية في سياق بيان ضلال المشركين، بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا، ولاموتا ولا حياة ولا نشوار. 

قال الله تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ شَيْئًا وَلا يَسْتَطِيعُونَ * فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) النحل/73-76.

قال الشيخ السعدي، رحمه الله: "يخبر تعالى عن جهل المشركين وظلمهم: أنهم يعبدون من دونه آلهة اتخذوها شركاء لله، والحال أنهم لا يملكون لهم رزقا من السماوات والأرض، فلا ينزلون مطرا، ولا رزقا ولا ينبتون من نبات الأرض شيئا، ولا يملكون مثقال ذرة في السماوات والأرض ولا يستطيعون لو أرادوا، فإن غير المالك للشيء ربما كان له قوة واقتدار على ما ينفع من يتصل به، وهؤلاء لا يملكون ولا يقدرون.

فهذه صفة آلهتهم كيف جعلوها مع الله، وشبهوها بمالك الأرض والسماوات الذي له الملك كله والحمد كله والقوة كلها؟!!

ولهذا قال: فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثَالَ المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ؛ فعلينا أن لا نقول عليه بلا علم، وأن نسمع ما ضربه العليم من الأمثال؛ فلهذا ضرب تعالى مثلين له ولمن يعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك أي: رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئا، والثاني حرٌّ غنيٌّ قد رزقه الله منه رزقا حسنا من جميع أصناف المال، وهو كريم محب للإحسان، فهو ينفق منه سرا وجهرا، هل يستوي هذا وذاك؟! لا يستويان مع أنهما مخلوقان، غير محال استواؤهما.

فإذا كانا لا يستويان، فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟!!

ولهذا حمد نفسه، واختص بالحمد بأنواعه، فقال: الْحَمْدُ لِلَّهِ؛ فكأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فلم سوَّى المشركون آلهتهم بالله؟ 

قال: بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ فلو علموا حقيقة العلم لم يتجرؤوا على الشرك العظيم.

والمثل الثاني مثل رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لا يسمع ولا ينطق و لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ لا قليل ولا كثير وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أي: يخدمه مولاه، ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه فهو ناقص من كل وجه، فهل يستوي هذا ومن كان يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم، فأقواله عدل وأفعاله مستقيمة، فكما أنهما لا يستويان فلا يستوي من عبد من دون الله وهو لا يقدر على شيء من مصالحه، فلولا قيام الله بها لم يستطع شيئا منها، ولا يكون كفوا وندا لمن لا يقول إلا الحق، ولا يفعل إلا ما يحمد عليه." انتهى من "تفسير السعدي" (444). 

ثالثًا:

شرح حديث (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ...)

أما قوله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالسَّوْءِ، كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيثَةً)رواه "البخاري" (5534)، و"مسلم" (2628).

فلا يظهر فيه غضٌ من صاحب تلك المهنة، بل هو ضرب مثال من حال صاحب الكير، أن مكان عمله: لا يخلو من دخان، وتطاير شرر، وأوساخ، بحكم ما يتعاطاه. 

كما أنه لو ضرب مثلا بمكان الجزار، وما يكون فيه من آثار الدماء، ونحو ذلك، لم يكن فيه غض من حال أي منهما، إنما هو بيان للواقع الذي يتعارفه الناس، ولا ينكرونه. 

فضرب لهم مثلا بهذا الأمر الحسي المشاهد للناس جميعا؛ أن جليس السوء، يصيب من يجالسه بأذاه، أيا ما كان هذا الأذى، كما أن من يجالس الحداد وهو ينفخ كيره، لا بد أن يصيبه من ذلك الحال ما يصيبه. 

أما لو جالس الحداد في بيته، أو مسجده، حين لا ينفخ الكير؛ فهذا خارج عن صورة المثال. 

ولو كان القصد تحقير نافخ الكير، لبين سوء حاله مطلقا، لا ما يكون منه عند نفخه في الكير. 

والله أعلم.

أحكام الوظائف
عرض في موقع إسلام سؤال وجواب