الاثنين 3 جمادى الآخر 1439 - 19 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


132762: التوفيق بين حديث ( لن تُغزى مكة بعد هذا العام ) وغزو الحجاج والقرامطة لها


لي سؤال مرتبط بالحديث التالي من كتاب صحيح الجامع الصغير: ( لَنْ تُغزى مكةُ بعد هذا العام أبداً ) ، فيكف يكون فهمنا للحديث وهناك حوادث ، مثل : غزو مكة على يد أبي طاهر من القرامطة ، والعراك الذي دار بين الحَجَّاج وعبد الله بن الزبير ؟ .

تم النشر بتاريخ: 2009-06-17

الجواب: 

الحمد لله

نص الحديث الذي سأل عنه السائل : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ الأَسْوَدِ أَخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : (لاَ تُغْزَى مَكَّةُ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ أَبَداً) رواه أحمد في "مسنده" (24/133) ، وحسَّنه المحققون .

وللحديث شاهد عند الترمذي ( 1611 ) عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ : (لاَ تُغْزَى هَذِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي .

وأما معنى الحديث فهو محمول على معنيين :

الأول : أن أهل مكة لا يَكفرون أبداً , ولا يُغزون على الكفر ؛ وهكذا فسَّره سفيان بن عيينة ، كما نقله عنه الطحاوي في " شرح مشكل الآثار " ( 4 / 162 ) .

ويشهد لذلك حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : (لَا تَنْتَهِي الْبُعُوثُ عَنْ غَزْوِ هَذَا الْبَيْتِ حَتَّى يُخْسَفَ بِجَيْشٍ مِنْهُمْ) رواه النسائي (2878) ، وصححه الألباني في "صحيح النسائي" .

والثاني : أنه إخبارٌ بمعنى النهي ، أي : لا يجوز لمسلم ، أو لجيش أن يتعرض لحرمتها .

ويشهد لهذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْقَتْلَ - أَوِ : الْفِيلَ - وَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْمُؤْمِنِينَ ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي أَلاَ وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ) رواه البخاري (112) ومسلم (1355) .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله :

"وَمُحَصِّله : أَنَّهُ خَبَر بِمَعْنَى النَّهْي ، بِخِلَافِ قَوْله : ( فَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ) فَإِنَّهُ خَبَر مَحْض ، أَوْ مَعْنَى قَوْله : (وَلَا تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي) أَيْ : لَا يُحِلّهَا اللَّه بَعْدِي ، لِأَنَّ النَّسْخ يَنْقَطِع بَعْده ؛ لِكَوْنِهِ خَاتَم النَّبِيِّينَ" انتهى .

"فتح الباري" (4/46) .

وعلى كلا الوجهين لا يرِد ما فعله الجنابي القرمطي ، ولا الحجَّاج الظالم ، بالكعبة ، وأهلها ، فهم لم يغزوا مكة لأجل كفر أهلها ، بل الأول هو الكافر كفراً أشد من كفر أهل الكتاب ، والثاني لم يرد إلا إخضاع عبد الله بن الزبير لطاعة الخليفة المسلم .

وقد ذكر ابن كثير رحمه الله ما فعله أبو طاهر الجنابي بمكة وأهلها ، ثم قال : 

"وقد سأل بعضهم ههنا سؤالاً فقال : قد أحلَّ الله سبحانه بأصحاب الفيل , وكانوا نصارى ما ذكره في كتابه , ولم يفعلوا بمكة شيئاً مما فعله هؤلاء , ومعلوم أن القرامطة شرٌّ من اليهود ، والنصارى ، والمجوس ؛ بل ومن عبَدة الأصنام , وأنهم فعلوا بمكة ما لم يفعله أحد ؛ فهلا عوجلوا بالعذاب ، والعقوبة ، كما عوجل أصحاب الفيل ؟

وقد أجيب عن ذلك : بأن أصحاب الفيل إنما عوقبوا إظهاراً لشرف البيت , ولِما يراد به من التشريف العظيم بإرسال النبي الكريم من البلد الذي فيه البيت الحرام ، فلما أرادوا إهانة هذه البقعة التي يراد تشريفها , وإرسال الرسول منها : أهلكهم سريعاً عاجلاً , ولم يكن شرائع مقررة تدل على فضله ، فلو دخلوه وأخربوه : لأنكرت القلوب فضله , وأما هؤلاء القرامطة : فإنما فعلوا ما فعلوا بعد تقرير الشرائع , وتمهيد القواعد , والعلم بالضرورة من دين الله بشرف مكة ، والكعبة , وكل مؤمنٍ يعلم أن هؤلاء قد ألحدوا في الحرم إلحاداً بالغاً عظيماً , وأنهم من أعظم الملحدين الكافرين ، بما تبيَّن من كتاب الله وسنَّة رسوله ، فلهذا لم يحتج الحال إلى معالجتهم بالعقوبة ، بل أخرهم الرب تعالى ليوم تشخص فيه الأبصار , والله سبحانه يمهل ، ويُملي ، ويستدرج ، ثم يأخذ أخذ عزيزٍ مقتدرٍ" انتهى .

" البداية والنهاية " ( 11 / 162 ) .

 

والله أعلم

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا