السبت 8 جمادى الآخر 1439 - 24 فبراير 2018


خيارات البحث:


مجال البحث:


143344: إذا عفى أولياء المقتول خطأ عن الدية فهل تسقط الكفارة؟


السؤال : سائق سيارة حدث له حادث- نسأل الله السلامة - ، وتوفي على إثره أربعة أشخاص منهم امرأتان ورجل وطفل ؛ فما الذي يلزم هذا السائق شرعا؟ علما أن نسبة الخطأ الكبيرة ـ إن لم تكن كلها ـ والمسجلة من طرف الشرطة هي على السائق نفسه ، كما أن السائق يقول : إن النوم هو الذي كان السبب الرئيس في الحادث ، حيث إنه ما علم شيئا إلا وهو يسمع الصراخ بعد وقوع الكارثة ؟ وقد سألنا أحد طلاب العلم فقال يطلب منهم أن يسامحوه من الدية ولا صوم عليه. وربط بين الدية والصوم ، فقال : إن سامحوه من الدية فلا صوم عليه .. فهل هذه الفتوى صحيحة؟ وما توجيهها حفظكم الرحمن؟

تم النشر بتاريخ: 2010-03-24
الجواب :

الحمد لله

إذا وقع الحادث بسبب تفريط من السائق كسيره مع شعوره بالنعاس ، أو إهماله إصلاح الفرامل أو الإطار ونحو ذلك ، لزمه ضمان ما تلف من الأنفس وغيرها ، ولزمته الكفارة عن كل شخص يموت بهذا الحادث .

قال الله تعالى : (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا) النساء/92 .

جاء في "فتاوى اللجنة الدائمة" : "إن كان السائق مفرطا في سيره ، أو له سبب في حصول الحادث ، كمخالفة للسير أو سرعة أو نعاس ونحو ذلك ، أو إهمال للسيارة وضرورة تفقد أسباب سلامتها : فعليه كفارة القتل ؛ عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ، أما إذا لم يكن له تسبب بوجه ما في وقوع الحادث : فلا شيء عليه" انتهى من "فتاوى إسلامية" (2/ 356) .
 

والدية في قتل الخطأ واجبة على عاقلة القاتل ، وهم عصبته ، وهم الأب ، والأجداد من جهة الأب ، والإخوة الأشقاء والإخوة من الأب وأبناؤهم ، والأعمام وأبناؤهم ، وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد . وينظر جواب السؤال رقم (52809) .

وإذا عفى أولياء المقتول عن الدية سقطت ، ولا تسقط الكفارة بعفوهم ؛ لأنها حق لله تعالى .

وقد أخطأ من ربط بين الدية والكفارة ، والواجب عليه التوبة من الفتوى بغير علم .

قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " إذا حصل الحادث فإما أن يكون بتفريط من قائد السيارة أو بتعدٍ منه ، والتفريط ترك ما يجب مثل أن يدع الإنسان تفقد السيارة في حال يحتمل أن يكون فيها خلل ، فيدع تفقدها ثم يحصل الحادث من جراء هذا التفريط : فيكون في ذلك ضامناً لأنه ترك ما يجب عليه ، أو بتعدٍ منه والتعدي فعل ما لا يجوز ، مثل أن يسير في خط معاكس للسير أو يقطع الإشارة ، أو يسرع سرعةً تُمنَع في مثل هذا المكان ، وما أشبه هذا ، المهم أن القاعدة هو أنه إذا كان الإنسان الذي حصل منه الحادث متعدياً بفعل ما لا يجوز ، أو مفرطاً بترك ما يجب ، فإنه يجب عليه لهذا الحادث شيئان إذا تلفت منه نفس :

الشيء الأول : الكفارة وهي حق لله تعالى ، وهي عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين لا يفطر بينهما يوماً واحداً إلا بعذر حسي أو شرعي .

والأمر الثاني مما يجب عليه : الدية ، لكن الدية تتحملها عنه عاقلته ، وهذه حق لأولياء المقتول ، وهم ورثته ؛ إن عفوا عنها سقطت . أما الكفارة فإنها حقٌ لله ولابد منها ، حتى لو عفا أولياء المقتول عن الدية فإن الكفارة لا تسقط ؛ لأن الكفارة حق لله والدية حق للآدميين ، ولا يلزم من سقوط أحد الحقين سقوط الآخر ، كما أن هذا لو كان لا يجد الرقبة ، ولا يستطيع أن يصوم شهرين متتابعين ، فإن الكفارة تسقط عنه وإن كانت الدية تجب لأولياء المقتول .

مثال الشيء الذي يكون بغير تعد منه ولا تفريط : مثل أن ينكسر الذراع أو أن يضرب الكفر [الإطار] مع تفقده له قبل أن يمشي ، أو يأتي إنسان يكون هو الذي قابل السيارة على وجه لا يتمكن القائد من إيقاف السيارة ، يعني لو جاءك أو رمى نفسه بالشارع والسيارة قد أقبلت والقائد لا يتمكن من إيقاف السيارة ، فإن هذا الذي رمى بنفسه هو الذي أهلك نفسه ، فليس على هذا السائق شيء ، وكذلك أيضاً لو فُرض أن الإنسان القائد قابله سيارة فرأى أن خير وسيلة ينجو بها من هذا الذي قابله أن يخرج عن الخط يميناً أو شمالاً ، ففعل وتصرف ثم إنه في تصرفه هذا حصل انقلاب السيارة ومات أحد معه ، فإنه في هذه الحالة لا يضمنه لا بدية ولا بكفارة ؛ لأنه في هذه الحال محسن وقد قال الله تعالى:  (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) .

فبهذا يتبين أنه إذا كان الحادث نتيجة لتصرف مأمور به من قبل القائد ، يرى أنه أحسن من عدمه : فإنه ليس عليه هنا ضمان لا بكفارة ولا بدية ؛ لأن الله يقول : (مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) ، ولأنه تصرف تصرفاً مأموراً به ومأذوناً له به شرعاً ، وقد قال أهل العلم من قواعدهم المقررة : ما ترتب على المأذون فليس بمضمون .  

وكذلك من الأشياء التي لا ضمان فيها لو كان القائد يسير فواجهه شيء في الخط بهيمة أو سيارة واقفة بدون إشارات أو ما أشبه ذلك ، ثم إنه لم يعلم حتى وصل إلى حد لا يتمكن به من إيقاف السيارة ، فانحرف ، ثم حصل الحادث من انحرافه الذي يرى أنه أقرب إلى النجاة ، فإنه في هذه الحال ليس عليه ضمان لا بدية ولا بكفارة . 

وهذه المسائل في الحقيقة دقيقة تحتاج إلى تحقيق المناط ، وإلى معرفة الشيء معرفة تامة ، ولا ينبغي للإنسان أن يتسرع فيُلزم الناس ما لا يلزمهم من دية أو كفارة ؛ بل إنه ينبغي له أن يعلم أن الأصل السلامة والعصمة ، كما أن الأصل أيضاً الضمان لما تلف ، فهذان الأصلان متعارضان ، وينبغي لطالب العلم أن يسلك ما يراه أقوى من هذين الأصلين ، وأن يتقي الله سبحانه وتعالى فلا يُلزم عباد الله بما لا يلزمهم ، ولا يسقط عن عباد الله ما يجب عليهم .

والله أعلم " انتهى من "فتاوى نور عل الدرب" .
 

وينبغي أن يعلم أن الكفارة تتعدد بتعدد القتلى .

قال في "مطالب أولي النهى" (6/147) : "وتتعدد الكفارة بتعدد مقتول كتعدد الدية بذلك ; لقيام كل قتيل بنفسه , وعدم تعلقه بغيره" انتهى .

وسئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن سائق سيارة تسبب في حادث نتيجة لنومه ، ومات ثلاثة نساء في الحادث .

فأجابوا :

"يجب عليك كفارة القتل خطأ عن كل نفس ماتت معك في الحادث المذكور ، والكفارة هي : عتق رقبة مؤمنة ، فإن لم تجد فتصوم شهرين متتابعين متى استطعت ، ولا مانع من الفصل بين كل شهرين بمدة ترتاح فيها .

وبالله التوفيق ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم" انتهى .

الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز . الشيخ عبد الرزاق عفيفي . الشيخ عبد الله بن غديان .

"فتاوى اللجنة الدائمة" (23/352) .

والله أعلم .

 

الإسلام سؤال وجواب
أضف تعليقا